الغلاف الأدب العربي كتاب العصا / البيان والتبين - للجاحظ

نوارس أدبية

السبت
أغسطس 30
English Bulgarian Chinese (Simplified) Chinese (Traditional) Croatian Czech Danish Dutch Finnish French German Greek Hindi Italian Japanese Korean Polish Portuguese Romanian Russian Spanish Swedish Filipino Latvian Lithuanian Serbian Slovak Ukrainian Vietnamese Albanian Hungarian Thai Turkish

كتاب العصا / البيان والتبين - للجاحظ

إرسال إلى صديق طباعة PDF
( 15 - عدد مرات التقييم )

هذا أبقاك اللَّه الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين وما شابَهَ ذلك من غُرَرِ الأحاديث وشاكَلَه من عُيون الخُطب ومن الفِقَرِ المستحسَنة والنُّتَف المستخرَجة والمُقَطَّعات المتخيَّرة وبعضِ ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكَرة والجواباتِ المنتخَبة

ونبدأُ على اسم اللَّه بذكر مذهب الشعوبية ومن يتحلَّى باسم التَّسويَة وبمطاعِنهم على خطباء العرب: بأخذ المِخصَرَةِ عند مناقَلَة الكلام ومساجَلة الخصومِ بالموزون والمُقَفَّى والمنثور الذي لم يُقَفَّ وبالأرجاز عند المَتْح وعند مُجاثاة الخَصْم وساعَة المشاوَلَة وفي نفس المجادَلة والمحاوَرة وكذلك الأسجاعُ عند المنافرة والمفاخرة واستعمال المنثور في خُطَب الحَمَالَة وفي مقامات الصُّلح وسَلِّ السخيمة والقولُ عند المعاقَدِة والمعاهَدة وتركُ اللّفظ يَجري على سجيَّته وعلى سلامته حتَّى يخرجَ على غير صنعة ولا اجتلاب تأليف ولا التماسِ قافية ولا تكلّفٍ لوزنٍ مع الذي عابُوا من الإشارة بالعِصيّ والاتّكاء على أطراف القِسِيّ وخدِّ وجه الأرض بها واعتمادها عليها إذا اسحَنفرت في كلامها وافتنَّتْ يومَ الحفْل في مذاهبها ولزومِهم العمائم في أيام الجُموع وأخْذِ المخاصر في كلِّ حال وجلوسِها في خطب النّكاح وقيامِها في خطب الصُّلْح وكلِّ ما دخل في
باب الحَمَالة وأكّد شأن المحالفةِ وحقّق حُرمةَ المجاورة وخُطَبِهم على رواحلهم في المواسم العظام والمجامع الكِبار والتّماسُحِ بالأكُفّ والتّحالف على النار والتعاقُد على المِلح وأخذ العهد الموكَّد واليمين الغَمُوسِ مثل قولهم: ما سَرَى نجمٌ وهبّت ريح وبلّ بَحْرٌ

واذكـروا حِـلفَ ذي المجـاز وما قُ دِّمَ فيـــه: العهـــود والكُــفلاءُ
حـذَر الخَـوْن والتعـدِّي وهـل تَنْ قُـصُ مـا فـي المَهـارِق الأهـواءُ

الخَون: الخيانة ويروى: الجور وقال أوس بن حَجَر: من الطويل

إذا اسـتقبلته الشَّـمسُ صَـدَّ بوجهِـهِ كمـا صَـدّ عـن نـار المُهوِّل حَالِفُ

وقال الكُميْت: من المتقارب

كَهُولَــةِ مــا أوقــد المُحــلِفُونَ لــدى الحــالِفينَ ومــا هَوَّلُــوا

وقال الأوَّلُ: من المنسرح

حــلَفْتُ بــالمِلح والرَّمـاد وبـالن نَّـــار وباللــه نسْــلِمُ الحَلَقَــهْ
حَــتَّى يظَــلَّ الجَــوادُ منعفِــراً ويَخْــضِبَ النَّبْــلُ غُـرَّة الدَّرَقَـهْ

وقال الأوّل: من الطويل

حَـلفتُ لهـم بـالمِلح والجَـمعُ شُـهَّدٌ وبالنــار والــلاتِ التــي أعظـمُ

وقال الحُطَيئة في إضجاع القِسِيّ: من الكامل

أم مــن لخَـصمٍ مُضْجـعين قِسِـيَّهم صُعــرٍ خُــدُودُهُم عظـامِ المفخَـرِ

وقال لبيدٌ في خَدِّ وجه الأرض بالعصيّ والقسِيّ: من الطويل

ومثله: من المتقارب

إذا اقتســم النـاس فضـلَ الفخـار أطلنــا عـلى الأرض ميـلَ العَصَـا
ومثله: من الكامل
حـكَمَتْ لنـا فـي الأرض يومَ مُحرِّقٍ أيَّامُنـا فـي النـاس حُكمـاً فيصَـلا

وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسيّ: من الكامل

مــا إنْ أهـابُ إذا السُّـرادِق غَمَّـهُ قَــرعُ القِسِــيّ وأُرْعِشَ الرِّعْديــدُ

وقال كثَيِّر في الإسلام: من الوافر

إذا فَرعــوا المنــابر ثــم خَـطُّوا بــأطراف المَخــاصرِ كالغِضـاب

وقال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخاً من بقايا العرب: أي العرب رأيتَه أضخمَ شأناً قال: حِصن بن حُذيفة رأيته متوكِّئاً على قوسه يَقْسِم في الحليفين أَسدٍ وغَطَفَان وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة: من الكامل

غُلْــبٍ تَشَــذَّرُ بــالذُّحُولِ كأنّهـا جِــنُّ البَــدِيِّ رواســياً أقدامُهـا

وقال مَعْنُ بن أوْسٍ المَزنيّ: من الوافر

ألا مَــن مُبْلــغٌ عنّــي رســولاً عُبيــدَ اللَّــه إذ عَجِــلَ الرِّسَـالاَ
إذا اجــتمع القبــائلُ جـئتَ رِدفـاً وراءَ الماســحِينَ لــكَ السِّــبالا
فـلا تُعطَـى عَصَـا الخُطبـاء يومـاً وقــد تُكــفَى المقــادَةَ والمَقَـالاَ

فذكر عصا الخطباء كما ترى وقال آخرُ في حمل القناة:

إلـى امـرئٍ لا تَخَطّـاه الرِّفـاق ولا جَـدْبُ الخِـوانِ إذا ما استُنشِئَ المرقُ
صَلْـبُ الحيـازيمِ لا هَـذْرُ الكـلامِ إذا هَــزَّ القنــاة ولا مُسـتعجِلٌ زَعِـقُ

وقال جرير بن الخَطَفي في حمل القناة:

مَــن للقنــاة إذا مــاعيَّ قائلُهـا أو للأعنَّـة يـا عمـروَ بـنَ عَمّـارِ

قالوا: وهذا مثل قول أبي المجيب الرَّبعَي حيث يقول: لا تزال تحفظ أخاك حتَّى يأخذَ القناة فعند ذلك يَفضَحك أو يمدحُك يقول: إذا قام يخطب فقد قام المَقامَ الذي لا بد من أن يخرج منه مذموماً أو محموداً

وقال عبد اللَّه بن رؤبة: سأل رجلٌ رؤبةَ عن أخطب بني تميم فقال: خداش ابن لبيد بن بَيبة بن خالد يعني البعيثَ الشاعر وإنّما قيل له البَعيثُ لقوله:
تبعَّـــثَ منـــي مــا تبعَّــثَ بعـد ما أمِرّت حبالي كُلَّ مِرّتهَا شزْرَا

قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البَعيثُ إذا أخذ القناة فهزّها ثمَّ اعتمد بها على الأرض ثمَّ رفَعَها

وقال يونس: لعمري لئن كان مُغلَّباً في الشعر لقد كان غُلِّب في الخُطَب وإذا

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء إلى البَقيع ومعه مِخْصَرَةٌ فجلس ونكَتَ بها الأرض ثمّ رفع رأسَه فقال: ما مِنْ نفْس منفُوسةٍ إلاّ وقد كُتِبَ مكانُها من الجَنَّةِ أو النار وهو من حديث أبي عبد الرحمن السُّلَميّ

ومِمّا يدلُّك على استحسانهم شأنَ المِخصرة حديثُ عبد اللَّه بن أُنَيْس ذي المِخْصَرةِ وهو صاحب ليلةِ الجُهَنيّ وكان النبي عليه السلام أعطاه مِخصرةً وقال: تَلْقَاني بها في الجنة وهو مهاجريّ عَقَبيٌّ أنصاريّ وهو ذو المخصرة في الجنّة

قالت الشُّعوبيَّة ومَن يتعصَّب للعَجمية القضيب للإيقاع والقناة للبَقّار والعصا للقِتال والقوس للرَّمْي وليس بين الكلام وبين العصا سبَب ولا بينَه وبين القوس نَسَب وهما إلى أن يَشغْلا العقل ويَصرِفا الخواطر ويعترضا على الذِّهْن أشبَهُ وليس في حَملِهما ما يشحذ الذِّهْن ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللَّفْظ وقد زعم أصحابُ الغِناء أن المغنِّيَ إذا ضُرِب على غِنائه قصَّرَ عن المغنّي الذي لا يُضربَ على غنائه وحَمْلُ العصا بأخلاق الفدّادين أشبه وهو بجَفاءِ العرب وعُنجُهيَّة أهلِ البدو ومزاوَلَةِ إقامة الإبل على الطُّرق أشكل وبه أشْبَه

قالوا: والخطابة شيءٌ في جميع الأمم وبكلِّ الأجيال إليه أعظم الحاجة حتَّى إنّ الزِّنْج مع الغَثَارة ومع فرط الغَباوة ومع كلال الحَدّ وغِلَظ الحسّ
وفساد المزاج لتُطيل الخُطَبَ وتفوق في ذلك جميعَ العجم وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ وألفاظُها أخْطَلَ وأجهل وقد علمْنا أنّ أخطبَ النَّاسِ الفرس وأخطبَ الفرس أهل فارس وأعذبَهم كلاماً وأسهلهم مخرجاً وأَحسنهم دَلاّ وأشدَّهم فيه تحكماً أهلُ مرو وأفصحَهم بالفارسية الدَّرِيَّةِ وباللغة الفَهْلَويّة أهلُ قصبة الأهواز فأمّا نَغْمةُ الهَرابذة ولغةُ المَوَابذة فلصاحب تفسير الزَّمزمة

قالوا: ومَن أحبَّ أن يبلُغ في صناعة البلاغة ويعرفَ الغريب ويتبحَّرَ في اللغة فليقرأ كتاب كارْوَنْد ومَن احتاج إلى العقل والأدب والعلم بالمراتب والعِبَر والمَثُلات والألفاظ الكريمة والمعاني الشريفة فلينظُرْ في سِيَر الملوك فهذه الفرسُ ورسائُلها وخطبها وألفاظُها ومعانيها وهذه يُونان ورسائلُها وخطبُها وعِلَلُها وحِكَمُها وهذه كتُبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماءُ بها تعرف السَّقَم من الصِّحّة والخطأَ من الصَّواب وهذه كتبُ الهندِ في حِكَمها وأسرارها وسِيَرها وعللها فمن قرأ هذه الكتبَ وعرفَ غورَ تلك العقول وغرائبَ تلك الحِكَم عرف أين البيانُ والبلاغة وأين تكاملَتْ تلك الصِّناعة فكيف سَقَط على جميع الأُمَم من المعروفين بتدقيق المعاني وتخيّر الألفاظ وتمييز الأمور أن يشيروا بالقَنا والعِصيّ والقُضبان والقِسيّ كلاّ ولكنكم كنتم رعاةً بين الإبل والغنم فحملتم القنا في الحضَر بفضل عادتكم لحملها في السَّفَر وحملتموها في المدر بفَضْل عادتكم لحملها في الوبَر وحملتموها في السَِّلم بفضْل عادتكم لحملها في الحرب ولطُول اعتيادكم لمخاطبة الإبل جفا كلامُكم وغلُظت مخارجُ أصواتكم حتَّى كأنّكم إذا كلّمتم الجلساء إنّما تخاطِبون الصُّمَّان وإنما كان جُلُّ قتالِكم بالعصيّ ولذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال: مجزوء الكامل

لســــنا نُقــــاتِل بـــالعصِ يِّ ولا نُــــرامِي بالحجــــارة
إّ عُلاَلَـــــــة أو بُــــــدا هـــةَ قـــارحٍ نهِــد الجُــزه

وقال آخر: من الطويل

فـإن تمنعـوا منـا السِّـلاحَ فعندنـا ســلاحٌ لنــا لا يُشـترى بـالدراهِم
جنــادلُ أمــلاءُ الأكُــفّ كأنّهـا رؤُوس رجــال حُــلِّقَت بالمواسِـم

وقال جندل الطُّهوِيُّ: من الرجز

حــتى إذا دارت رحــىً لا تجـري صـاحت عصـيٌّ مـن قنـاً وسِـدْرِ

وقال آخر: من الطويل

دعــا ابـنُ مطيـعٍ للبِيـاعِ فجئْتُـه إلـى بَيعـةٍ قلبـي لهـا غـيرُ آلـفِ
فنــاوَلَني خَشْــنَاءَ لمَّــا لمسـتها بكَـفِّيَ ليسـت مـن أكُـفِّ الخـلائِف
مـن الشَّـثَنَاتِ الكُـزْم أنكـرتُ مَسَّها وليسـت مـن البيـض الرِّقاق اللطائفِ

وقال آخر: من البسيط

مـا لِلفـرزدق مـن عـزٍّ يلـوذ بـه إلاّ بنـي العَـمّ فـي أيـديهم الخَشَـبُ

قالوا: وإنما كانت رماحكم من مُرّان وأسنّتكم من قُرون البقر وكنتم تركبون الخيل في الحرب أعراء فإنْ كان الفَرَس ذا سرجٍ فسَرجه رِحالةٌ من أَدَمٍ ولم يكن ذا ركابٍ والرِّكاب من أجود آلات الطاعن برُمحه والضاربِ بسيفه وربما قام فيهما أو اعتمد عليهما وكان فارسُهم يطْعُن بالقناة الصَّمَّاء وقد علمنا أن الجوفاء أخفُّ مَحملاً وأشدُّ طعنةً ويفخرون بطُول القناة ولا يعرفون الطّعن بالمطارِد وإنما القنا الطِّوال للرّجّالة والقصارُ للفُرْسان والمطارد لصَيد الوحش ويفخَرون بطُول الرُّمح وقِصَر السَّيف فلو كان المفتخر بقِصَر السيف الرّاجلَ دون الفارس لكان الفارس يفخر بطول السيف وإن كان الطول في الرُّمح إنّما صار صواباً لأنه يُنال به البعيد و لا يفوته العدوّ ولأن ذلك يدلُّ على شدّة أسْرِ الفارس وقوّة أيْدِهِ فكذلك السّيف الطَّويل العريض

     


وكنتم تتَّخذون للقناة زُجّاً وسِناناً حين لم يقبِص الفارسُ منكم على أصل قناته ويعتمد عند طعنته بفخذه ويستعِنْ بحَمِيَّة فرسه

وكان أحدُكم يقبض على وسط القناة ويخلِّف منها مِثلَ ما قدّم فإنما طعُنكم الرَّزّةُ والنَّهزةُ والخَلْس والزَّجّ

وكنتم تتساندون في الحرب وقد أجمعوا على أنّ الشِّرْكة رديَّةٌ في ثلاثةِ أشياء: في الملك، والحرب، والزوجة.

وكنتم لا تقاتلون باللّيل ولا تعرفون البَيَاتَ ولا الكمين ولا الميمنة ولا الميسرة ولا القَلب ولا الجَناح ولا الساقَةَ ولا الطّليعة ولا النّفّاضة ولا الدّرّاجة ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العَرّادة ولا المجانيق ولا الدّبّابات ولا الخنادق ولا الحَسَك ولا تعرفون الأقبِيَة ولا السَّراويلات ولا تعليقَ السُّيوف ولا الطّبولَ ولا البنود ولا التَّجافيف ولا الجواشن ولا الخُوَذ ولا السواعد ولا الأجراس ولا الوَهَق ولا الرَّمي بالبَنْجَكان والزَّرْق بالنِّفْطِ والنيران

وليس لكم في الحرب صاحبُ عَلَم يرجع إليه المُنْحاز ويتذكَّره المنهزم وقتالُكم إمَّا سَلَّةٌ وإمّا مزاحَفة والمزاحفة على مواعد متقدِّمة والسَّلَّةُ مُسارقةٌ وفي طريق الاستلاب والْخُلْسَة

قالوا: والدَّليل على أنّكم لم تكونوا تقاتلون قولُ العامريّ: من البسيط

يـا شَـدَّةً مـا شـددنا غـيرَ كاذبـةٍ عـلى سَـخينةَ لـولا الليـل والحَـرَمُ

ويدلُّك على ذلك أيضاً قول عبد الحارث بن ضرار: من الوافر

وعَمْـــروٌ إذْ أتانـــا مســتميتاً كســونا رأسَــه عَضبـاً صقيـلا
فلــولا اللّيــلُ مـا آبـوا بشـخصٍ يخَـــبّر أهلَهــم عنهــم قليــلا

وقال أمية بن الأسكر: من الوافر

ألــم تَــرَ أن ثعلبــةَ بـن سـعدٍ غضــابٌ حَـبَّذَا غَضَـبُ المـوالي
ولــولا اللّيــلُ لـم يُفلِـتْ ضـرارٌ ولا رأس الحمـــار أبــو جُفَــالِ

قلنا: ليس فيما ذكرتم من هذه الأشعار دليلٌ على أنّ العرب لا تقاتل باللّيل وقد يقاتل بالليل والنَّهار مَن تَحُول دون مَالِهِ المُدُنُ وهولُ اللّيل وربَّما تحاجز الفريقان وإنّ كلَّ واحد منهم يرى البَيات ويرى أن يقاتل إذا بَيَّتوه وهذا كثير والدَّليل على أنَّهم كانوا يقاتِلون باللّيل قولُ سعد بن مالك في قتل كعب بن مُزَيقيا الملك الغَسّاني: من الوافر

وليلَــةَ ثُبّــعٍ وخَــميسِ كــعبٍ أتونــا بعــد مــا نِمنــا دَبيبـا
فلـــم نُهــدَدْ لبأْســهمُ ولكــنْ ركبنــا حَــدَّ كــوكبِهم رُكوبــا
بضــرب يُفلَــقُ الهامــاتُ منـه وطعــنٍ يفصــل الحَـلقَ الصَّليبـا

وقال بشرُ بن أبي خازم: من المتقارب

فأمّــا تميــمُ تميــمٌ بــن مُـرٍّ فألفــاهُمُ القــومُ روْبًــى نِيامَــا

يقول: شَرِبوا الرّائب من اللبَن فسكِروا منه وهو اللبَن الذي قد أدرك ليُمخَض يقال منه راب يروب رَوباً رؤوباً ورُؤْبةُ اللبن: خميرة تلقى فيه من الحامض ورؤبة الليل: ساعةٌ منه يقال أهرق عنّا من رؤبة الليل وقال بعضهم: منه قول الشاعر

فألفــاهم القــوم روبــى نيامــا

وقال عياضٌ السِّيدِيُّ: من الطويل
ونحـن نَجلْنَـا لابـن ميـلاءَ نحـرَهُ بنَجـلاءَ مـن بيـن الجـوانح تشهَقُ
ويــومَ بنـي الدَّيّـانِ نـالَ أخـاهم بأرماحنــا بالسِّــيِّ مـوتٌ مُحـدِّقُ
ومِنَّــا حُمـاةُ الجَـيش ليلـةَ أقبلـت إيــادٌ يزجّيهــا الهُمَــامُ مُحـرِّقُ

وقال آخر: من الكامل

وعــلى شُــتَيرٍ راحَ منّــا رائِـحٌ بــأبِي قَبيصــة كـالفَنيق المُقـرَم
يَـردِي بشـرحاف المَغَـاورِ بعـد ما نشــر النهــار سـوادَ ليـل مظلـمِ

وقال عياضٌ السِّيدِيُّ: من الكامل

لحِمـام بِسـطام بـن قيسٍ بعـد مـا جَـنَحَ الظّـلامُ بمثـل لـون العِظْلِـم

وقال أوس بن حجر: من السريع

بــاتوا يُصيـبُ القـوم ضَيفَـاً لهـم حـــتَّى إذا مــا ليلُهــم أظلمــا
قـــرَوْهمُ شـــهَباءَ ملمومـــةً مثــلَ حــريق النّـار أو أضْرَمـا
واللَّــه لــولا قُــرزُلٌ مـا نَجـا وكــان مثــوى خــدِّك الأخْرَمـا

وبعدُ فهل قتلَ ذُؤابٌ الأسديّ عتيبةَ بن الحارث بن شهاب إلاّ في وسط الليل الأعظم حين تَبِعوهم فلحِقوهم

وكانوا إذا أجْمَعوا للحرب دخّنوا بالنهار وأوقدوا بالليل قال عمرو بن كلثوم وذكَرَ وقعةً لهم: من الوافر

ونحــن غــداةَ أُوقِـدَ فـي خَـزَاز رَفَدنَــا فــوقَ رَفــدِ الرّافدينــا

وقال خَمْخَامٌ السَّدُوسيُّ: من الوافر

وإنّــا بــالصُّليب ببطــن فَــجٍّ جميعــاً واضعيــن بــه لَظَانــا

نُدخِّـــنُ بالنهـــار ليبصِرونــا ولا نَخَــفى عــلى أحــدٍ أتانــا

وأمَّا قولهم: ولا يعرفون الكمين فقد قال أبو قيس بن الأسلت: من الوافر

وأحرزنـــا المغــانمَ واســتَبَحنا حَــمِى الأعــداء واللَّــهُ المعيـنُ
بغَــير خِلاَبَــةٍ وبغَــيْرِ مكــرٍ مجــاهرةً ولــم يُخْبَــأْ كــمينُ

وأما ذكرهم للرُّكُب فقد أجمعوا على أن الرُّكُب كانت قديمة إلاّ أنّ رُكُبَ الحديد لم تكن في العرب إلاّ في أيام الأزارقة وكانت العرب لا تُعَوّد أنفَُسَها إذا أرادت الركوب أن تضع أرجلَها في الرُّكُب وإنما كانت تنزو نَزْواً

وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: لا تَخورُ قوّة ما كان صاحبُها ينزو ويَنْزِع يقول: لا

وقال عمر: الراحة عُقْلة وإياكم والسِّمْنة فإنها عُقْلَة

ولهذه العلّة قُتِل خالدُ بن سعيد بن العاصي حين غَشِيه العدوّ وأراد الرُّكوب ولم يجد من يحملُه ولذلك قال عُمر حين رأى المهاجرين والأنصار قد أخصبوا وهَمَّ كثيرٌ منهم بمقاربة عَيش العجم: تَمَعْدَدوا واخشَوشِنوا واقطعوا الرُّكُب وانزُوا على الخيل نزواً وقال: احفَوْا وانتعلوا فإنَّكم لا تَدْرون متى تكون الْجَفلة

وكانت العرب لا تدَعُ اتّخاذ الرِّكَاب للرَّحل فكيف تدَعُ الرِّكابَ للسَّرج ولكنّهم كانوا وإن اتَّخذوا الرُّكُبَ فإنّهم كانوا لا يستعملونها إلاّ عندما لا بدَّ منه كراهةَ أن يتّكلوا على بعض ما يُورثهم الاسترخاء والتفنّخ ويضاهئوا أصحاب التُّرْفَة والنَّعْمة قال الأصمعيّ: قال العُمَريّ: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليُمنَى أذنَ فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزَه ويثب فكأنما خُلِقَ على ظهر فرسه وفعل مثلَ ذلك الوليدُ بن يزيدَ بنِ عبد الملك وهو يومئذ وليُّ عهدِ هشام ثمّ أقبَلَ على مسلمةَ بن هشام فقال له: أبوك يُحسِن مثل هذا فقال مَسلمةُ: لأبي مائةُ عبدٍ يحسنون مثل هذا فقال الناس: لم ينصفْه في الجواب وزعم رِجَالٌ من مشيختنا أنّه لم يقم أحدٌ من ولد العباس بالملْك إلاّ وهو جامعٌ لأسباب الفروسيّة

وأمّا ذكروا من شأن رماح العرب فليس الأمر في ذلك على ما يتوَّهمون للرِّماح طبقات: فمنها النَّيزَك ومنها المربوع ومنها المخموس ومنها التامّ ومنها الخَطِلُ وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لإفراط طُوله فإذا أراد

الرّجُل أن يخبِر عن شدّةِ أسْر صاحبِه ذكره كما ذكر متمّمُ بنُ نويرةَ أخاه مالكاً فقال: كان يخرج في الليلة الصِّنَّبر عليه الشَملَةُ الفَلوت بين المزادتين النَّضُوحَين على الجمل الثَّفال معتقلَ الرُّمح الخَطِل قالوا له: وأبيك إنّ هذا لهو الجَلد ولا يحمل الرُّمحَ الخَطِل منهم إلاّ الشّديدُ الأيِّدُ والمُدِلُّ بفَضْل قوّته عليه الذي إذا رآه الفارسُ في تلك الهيئة هابه وحاد عنه فإنْ شدَّ عليه كان أشدَّ لاستخذائه له

والحال الأخرى أن يخرُجوا في الطَّلَب بِعَقِب الغارة فربَّما شدَّ على الفارس المُولِّي فيفوته بأن يكون رمحُه مربوعاً أو مخموساً وعند ذلك يستعملون النّيازك والنَّيزَك أقصر الرِّماح وإذا كان الفارسُ الهاربُ يفوت الفارسَ الطالبَ زَجَّه بالنَّيزِك وربَّما هاب مخالطتَه فيستعمل الزَّجَّ دون الطَّعْن صنيعَ ذُؤابٍ الأسديّ بعتيبة بن الحارث بن شهاب وقال الشاعر: من الطويل

وأسْــمَرَ خطّيّــاً كــأنّ كُعُوبَــه نوى القَسْبِ قد أربى ذراعاً على العشْرِ

وقال آخر: من الكامل

هــاتيك تحـملُني وأبيـضَ صارمـاً ومُحَرَّبــاً فــي مـارِنٍ مخـموسٍ
فولَّــوا وأطـرافُ الرمـاح عليهـم قـــوادرُ مربوعاتُهــا وطِوَالُهــا

وهم قومٌ الغاراتُ فيهم كثيرة وبقدرِ كثرة الغارات كثُر فيهم الطَّلَب والفارس ربّما زاد في طولِ رمحِه ليُخْبِر عن فضل قُوّته ويُخبرُ عن قصر سَيفه ليُخبرَ عن فضل نَجدته قال كعبُ بن مالك: من الكامل

نَصِـلُ السُّـيوفَ إذا قصُـرن بخَطوِنا قُدُمــاً ونُلْحِقُهــا إذا لــم تَلْحَـقِ

وقال آخر: من البسيط

إذا الكُمــاة تنحَّــوْا أن يصيبَهــمُ حَــدُّ الظُّبَــات وصلناهـا بأيدينـا

وقال رجلٌ من بني نمير: من الطويل

وصَلْنـا الرّقـاقَ المرهفـاتِ بخطونـا عـلى الهـول حـتّى أمكنتْنا المضاربُ

وقال حُميد بن ثورٍ الهلاليّ: من الطويل

ووصـل الخطا بالسَّيفِ والسَّيفِ بالخطا إذا ظَـنَّ أن السـيفَ ذو السيف قاصِرُ

وقال آخر: من الرجز

الطــاعنون فــي النُّحُـور والكُـلَى شَـزْراً ووصَّـالو السُّـيوف بـالْخُطَى

وأمّا ذكروا من اتخاذ الزُّجّ لسافلة الرُّمح والسِّنان لعاليته فقد

ذكروا أنّ رجلاً قتل أخوينِ في نِقاب أحدهما بعالية الرُّمح والآخر بسافلته وقدِم في ذلك راكبٌ من قِبَل بني مروان على قَتادة يستثبت الخبر من قِبَلهِ فأثبته

له وقال الآخر: من الرجز

إنّ لقيسٍ عـــــادةً تعتادُهــــا سَــلَّ الســيوفِ وخُـطىً تزدادهـا

وقد وصفوا أيضاً السيوف بالطُّول وقال عُمارة بن عَقيل: من الطويل

بكـلِّ طـويل السـيف ذي خيزُرانـةٍ جـرِيء عـلى الأعداء معتمد الشَّطبِ

وجملة القول أنَّا لا نعرف الخطبَ إلاّ للعرب والفُرْس فأما الهندُ فإنما لهم معانٍ مدونة وكتُبٌ مخلّدة لاتضاف إلى رجلٍ معروف ولا إلى عالم موصوف وإنّما هي كتبٌ متوارثة وآدابٌ على وجه الدَّهر سائرةٌ مذكورة

ولليونانيِّين فلسفةٌ وصناعةُ منطق وكان صاحبُ المنطقِ نفسُه بكيَّ اللسان غيرَ موصوفٍ بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وبخصائصه وهم يزعمون أنّ جالينوس كان أنطَقَ الناس ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من البلاغة وفي الفُرس خُطباء إلاّ أنّ كلَّ كلامٍ للفُرس وكلَّ معنىً للعجم فإنّما هو عن طُولِ فكرة وعن اجتهاد رأي وطُول خلوة وعن مشاورة ومعاونة وعن طُول التفكُّر ودِراسة الكتُب وحكايةِ الثاني علمَ الأول وزيادةِ الثالث في علم الثاني حتَّى اجتمعت ثمار تلك الفِكَر عند آخِرِهم وكلُّ شيءٍ للعرب فإنّما هو بديهةٌ وارتجال وكأنّه إلهام وليست هناك معاناةٌ ولا مكابدة ولا إجالةُ فكر ولا استعانة وإنّما هو أن يصرفَ وهْمَه إلى الكلام وإلى رجَزِ يومِ الخصام أو حين يمتَح على رأس بئر أو يحدُو ببعير أو عند المقارعة أو المناقلة أو عند صِراع أو في حرب فما هو إلاّ أن يصرف وهْمَه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد فتأتيه المعاني أرسالاً وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً ثم لا يقيِّده على نفسه ولا يَدْرُسه أحداً من ولده وكانوا أُمِّيِّين لا يكتبون ومطبوعِين لا يتكلَّفون وكان الكلام الجيِّد عندهم أظهرَ وأكثر وهم عليه أقدر وله أقهَر وكل واحدٍ في نفسه أنطَق ومكانُه من البيان أرفع وخطباؤهم للكلام أوجَد والكلام عليهم أسهل وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفُّظ ويحتاجوا إلى تدارُس وليس هم كمن حفِظ علمَ غيرِه واحتذى على كلام مَن كان قَبله فلم يحفظوا إلاّ ما عَلِق بقُلوبهم والتحم بصدورهم واتّصل بعقولهم من غير تكلف ولا قصد

ولا تحفُّظ ولا طلب وإنّ شيئاً هذا الذي في أيدينا جزءٌ منه لَبِالمقدار الذي لا يعلمه إلاّ مَن أحاط بقَطْر السَّحابِ وعدد التُّراب وهو اللَّه الذي يحيط بما كان والعالِمُ بما سيكون

ونحن - أبقاك اللَّه - إذا ادّعينا للعرب أصنافَ البلاغة من القصيد والأرجاز ومن المنثور والأسجاع ومن المزدوج وما لا يزدوج فمعَنا العلم أن ذلك لهم شاهدٌ صادق من الدِّيباجة الكريمة والرَّونق العجيب والسَّبْك والنَّحت الذي لا يستطيع أشعَرُ الناس اليومَ ولا أرفعهُم في البيان أن يقول مثلَ ذلك إلاّ في اليسير والنَّبْذ القليل

ونحن لا نستطيع أن نَعلم أنّ الرسائل التي بأيدي الناس للفُرس أنها صحيحة غيرُ مصنوعة وقديمةٌ غير مولَّدة إذْ كان مثل ابن المقفَّع وسهل بن هارون وأبي عُبَيد اللَّه وعبد الحميد وغيلان يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنعوا مثل تلك السِّيَر وأخرى: أنّك متى أخذتَ بيد الشُّعوبيّ فأدخلتَه بلادَ الأعراب الخُلَّص ومعدِنَ الفصاحة التامّة ووقَفْتَه على شاعرٍ مفْلِق أو خطيب مِصْقع علم أنَّ الذي قلتَ هو الحقُّ وأبصَرَ الشاهد عِياناً فهذا فرقُ ما بيننا وبينهم فتفهّمْ عنِّي فهَّمك اللَّه ما أنا قائلٌ في هذا ثم أعلم أنك لم تَرَ قوماً قطُّ أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دِينه ولا أشدَّ استهلاكاً لِعرضه ولا أطوَلَ نصَباً ولا أقل غُنْماً من أهل هذه النِّحلة وقد شَفَى الصُّدورَ منهم طولُ جُثومِ الحسد على أكبادِهم وتوقُّدُ نار الشنَآن في قلوبهم وغليانُ تلك المراجل الفائرة وتسعُّرِ تلك النِّيران المضطرمة ولو عرفوا أخلاق أهلِ كلِّ ملة وزيِّ أهل كل لغةٍ وعللَهم على اختلاف شاراتهم وآلاتهم وشمائلهم وهيئاتهم وما علَّةُ كلُّ شيء من ذلك ولِمَ اجتلبوه وَلِمَ تكلّفوه لأراحوا أنفسَهم ولخفّت مؤونتُهم على من خالطهم

والدَّليل على أنَّ أخْذَ العصا مأخوذٌ من أصْلٍ كريم ومعدن شريف ومن المواضع التي لا يَعيبها إلاّ جاهل ولا يعترضُ عليها إلاّ مُعانِد اتِّخاذُ سليمانَ بنِ داود صلى الله عليه وسلم العصا لخطبته وموعظته ولمقاماته وطول صلاته ولطول التِّلاوة والانتصاب فجَعَلها لتلك الخصال جامعةً قال اللَّه عزّ وجل وقولُه الحقّ:فَلمَّا قَضَينا عليه الموتَ ما دلّهمْ على مَوتِه إلاّ دَابّة الأَرضِ تَأكُل مِنسأتَه فَلَمَّا خَرَّ تبيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لو كانُوا يَعْلَمُون الغَيْب مَا لَبِثُوا في العَذَابِ المُهِين سبأ: 41 والمِنسأة هي العصا

قال أبو طالب حين قام يذُمّ الرجل الذي ضربَ زميلَه بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل وتجاذبا: من الطويل

أمـن أجـل حَـبْلٍ لا أبـاك علوتَـه بمِنســأة قـد جـاء حـبلٌ وأحـبُلُ

وقال آخر: من البسيط

إذا دبَبْـتَ عـلى المِنسـاة فـي كِـبَرٍ فقــد تبـاعد عنـك اللّهـوُ والغـزلُ

قال أبو عثمان: وإنما بدأنا بذكر سليمان صلى اللَّه عليه لأنّه من أبناء العجَم والشُّعوبيةُ إليهم أمْيَل وعلى فضائلهم أحرص ولِما أعطاهم اللَّه أكثرُ وصفاً وذِكراً

وقد جمع اللّه لموسى بنِ عمران عليه السلام في عصاه من البرهانات العظام والعلامات الجِِسام ما عسى أن يفيَ ذلك بعلامات عدّةٍ من المرسَلين وجماعة من النبيِّين قال اللَّه تبارك وتعالى فيما يذكر من عصاه: إنَّ هَذانِ لساحِرانِ يُريدَان أنْ يُخرِجَاكمْ مِنْ أرضِكُم بسحرهما  طه: 63 إلى قوله تعالى: ولا يُفلِحُ السَّاحرُ حَيْثُ أَتَى  طه: 69

فلذلك قال الحسنُ بن هانئ في شأن خصيبٍ وأهلِ مصر حين اضطربُوا عليه: من الطويل

فـإن تـكُ مـن فرعـون فيكـم بَقيَّةٌ فـإنّ عصـا موسـى بكـفِّ خصيبِ

ألم تر أنَّ السَّحرة لم يتكلَّفوا تغليط الناس والتمويهَ عليهم إلاّ بالعصِيّ ولا عارضَهم موسى إلاّ بعصاه

وقال اللَّه عزّ وجلّ:  وقَالَ مُوسى يا فرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِنْ ربِّ العَالَمِين حَقِيقٌ عَلَى أن لا أقُولَ على اللَّه إلاَّ الحقَّ قَدْ جِئُتكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ ربِّكُمْ فأرْسِلْ مَعِيَ بَني إسْرائِيل قال إنْ كنْتَ جِئْتَ بآيةٍ فأتِ بِهَا إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فأَلْقَى عَصَاهُ فإذَا هِيَ ثعبانٌ مُبِين الأعراف: 04 - 107

وقال اللَّه عزّ وجل:  قَالُوا يا مُوسَى إمّا أنْ تُلْقِي وإمّا أنْ نكونَ نَحْنُ المُلْقِينَ قَالَ ألْقُوا فَلَمَّا ألْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيم وأوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فإذَا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون الأعراف: 115 - 117 ألا ترى أنهم لمّا سحروا أعينَ الناس واسترهبوهم بالعصيِّ والحبال لم يجعل اللَّه للحبال من الفضيلة في إعطاء البُرهان ما جَعَل للعصا وقدرةُ اللَّه على تصريف الحبال في الوجوه كقدرته على تصريف العصا

وقال اللَّه تبارك وتعالى: فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الوَادِي الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبارَكَة مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّه ربُّ العَالَمِين وأنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رآهَا تَهْتَزُّ كأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبراً ولم يُعَقِّب يَا مُوسَى أقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إنَّكَ من الآمِنِين القصص: 3 - 31 فبارَك كما ترى على تلك الشّجرة وبارك في تلك العصا وإنّما العَصَا جزءٌ من الشجرِ

وقال عزّ وجلّ:  والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وأخْرَجَ منها مَاءَها ومَرْعاها  النازعات: 0 - 31

وقالت الحكماء: إنما تُبنى المدائن على الماء والكلأ والمحتَطَب فجمع بقوله: أخْرَجَ منها ماءَها ومَرْعاها  النازعات: 31 النَّجمَ والشجر والمِلْحَ واليقطين والبقل والعُشْب فذكر ما يقوم على ساقٍ وما يتفنّن وما يتسطَّح وكلُّ ذلك مرعىً ثم قال على النَّسَق: متاعاً لَكُمْ ولأنْعَامِكُمْ النازعات: 79 فجمع بين الشجر والماء والكلأ والماعونِ كلِّه لأنّ الملح لا يكون إلاّ بالماء ولا تكون النّار إلاَّ من الشَّجَر

وقال اللَّه تبارك وتعالى: الذي جَعل لكُمْ من الشجر الأخْضرِ ناراً فإذا أنتُمْ منهُ تُوقِدُونَ  يس: 08 وقال: أفرأيتمُ النّارَ التي تُورُونَ أأنتُمْ أنْشَأْتمْ شَجَرَتَها أمْ نحْنُ المُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَْناها تَذْكِرَةً ومَتَاعاً لِلْمُقْويِنَ  الواقعة: 71 - 73 والمَرْخ والعَفَارُ والسَّوَاسُ والعراجين وجميعُ عيدان النارِ وكلُّ عُودٍ يُقدح على طول الاحتكاك فهو غنيٌّ بنفسه بالغٌ لِلمُقْوِي وغير المقْوي وحَجَر المَروْ يحتاج إلى قَرّاعة الحديد وهما يحتاجان إلى العُطْبة ثم إلى الحطب والعِيدانُ هي القادحة وهي المُوريَةُ وهي الحطب

قال اللَّه عزّ وجلّ:  الذين هُمْ يُرَاؤُونَ ويَمْنَعوَن الماعُونَ الماعون: 6 - 7

والماعون: الماء والنار والملح والكلأ وقال الأسديّ: من الكامل

وكــأنّ أرحلَنــا بِجَــوِّ مُحَـصَّبٍ بِلـوَى عُنَـيزة مِـن مَقيـل الـتُّرْمُسِ
فـي حـيث خـالطت الخُزامَى عرفجا يــأتيك قــابسُ أهلهــا لـم يُقْبَسِ

وإنّما وصف خِصْبَ الوادي ولُدونةَ عِيدانه ورطوبةَ الورق وهذا خلاف قول عمرو بن عَبْدِ هند: من الطويل

فـإنّ السِّـنانَ يـركب المـرءُ حَـدَّهُ مـن العـار أو يعدو على الأسدِ الوَرْدِ
وأنّ الــذي ينهــاكُمُ عـن طِلابهـا ينـاغي نِسـاءَ الحـيِّ في طُرّةِ البُردِ
يُعَلَّــلُ والأيّــام تنقُــص عمـره كمـا تَنقُـص النِّيرانُ من طرَف الزَّنْدِ

وذكر اللَّه عزّ وجلّ النَّخلةَ فجعلها شجرة فقال: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّماء إبراهيم: 4

وذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حُرمة الحَرمَ فقال: لا يُختلى خلاَهَا ولا يُعضَد شجرها
وقال اللَّه عزّ وجل:  وأنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطين الصافات: 146

وتقول العرب: ليس شيءٌ أدفأَ من شجرٍ ولا أظلَّ من شجَر

ولم يكلّم اللَّه موسَى إلاّ من شجرة وجعل أكبرَ آياته في عصاه وهي من الشجر ولم يمتحن اللَّه جلّ وعزّ صبْر آدم وحوّاء وهما أصلُ هذا الخلقِ وأوّلُه إلاّ بشجرة ولذلك قال:  ولا تقَربا هذِه الشَّجَرَةَ فتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ الأعراف: 19 وجعل بيعة الرِّضوان تحت شجرة وقال: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُور سَيْنَاءَ تَنْبُتَ بالدُّهْنِ وصِبْغٍ للآكِلِينَ المؤمنون: 20

وسِدرة المنتهى التي
عندها جنّة المأوى شجرةٌ وشجرةٌ

سُرَّ تحتها سبعون نبيّاً لا تُعْبَل ولا تسَرف

وحين اجتهد إبليسُ في الاحتيال لآدمَ وحوّاء صلى اللَّه عليهما لم يصرف الحيلة إلاّ إلى الشّجرة وقال:  هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى  طه: 120

وفيما يُضرب بالأمثال من العصيّ قالوا: قال جميل بن بَصْبَهَرِي حين شكا إليه الدّهاقين شَرَّ الحجّاج قال: أخبروني أين مولدُه قالوا: الحجاز قال: ضعيف مُعجَب قال: فمنشؤه قالوا: الشام قال: ذلك شرٌّ ثم قال: ما أحسن حَالَكم إن لم تُبْتَلَوا معه بكاتبٍ منكم يعني من أهل بابل فابتُلوا بزاذان فرُّوخ الأعور ثم ضَرب لهم مثلاً فقال: إنّ فأساً ليس فيها عودٌ ألقيت بين الشّجر فقال بعضُ الشّجر لبعض: ما ألقيت هذهِ ها هنا لخير قال: فقالت شجرةٌ عاديّة: إن لم يدخل في است هذه عودٌ منكن

وقال يزيد بن مفرغ:

العبــــدُ يُقــــرع بالعصـــا والحــــرُّ تكفيـــه الملامـــه

وقال: أخذه من الفَلتان الفَهميّ حيث قال: مجزوء الكامل

العبــــد يقــــرع بالعصـــا والحــــر تكفيـــه الإشـــارة

وقال مالك بن الرَّيب: مجزوء الكامل

العبــــدُ يُقْــــرعُ بالعصـــا والحــــرُّ يكفيـــه الوعيـــدُ

وقال بشّار بن بُرد: من الكامل

الحُــرُّ يُلحَــى والعَصَــا للعبــدِ وليس للمُلحـــفِ مثـــلُ الــردِّ

وقال آخر: مجزوء الكامل

فـــاحتلتُ حـــين صَـــرمْتِنِي والمـــرء يَعجـــزُ لا المَحالــه
والدَّهــــر يلعـــب بـــالفتى والدّهـــر أروغ مـــن ثُعالَــه
والمــــرءُ يَكسِـــبُ مالَـــه بالشُّــــحِّ يورثُـــه الكَلالـــه
العبــــد يُقــــرع بالعصـــا والحــــرُّ تكفيـــه المقالـــه

وممّا يدخل في باب الانتفاع بالعصا أنّ عامر بن الظَّرِب العَدْوانيّ حكَمَ العرب في الجاهليّة لما أسنّ واعتراه النِّسيان أمر ابنتَه أن تقرَع بالعصا إذا هو فَهَّ عن الحكم وجارَ عن القصد وكانت من حكيمات بناتِ العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صُحْرٍ بنت لقمان وهندٍ بنت الخُسّ وجُمعة بنت حابس بن مُلَيل الإيادييَّن وكان يقال لعامرٍ: ذو الحلم ولذلك قال الحارث بن وعلة: من الكامل

وزعَمتـــمُ أنْ لا حـــلوم لنــا إنّ العصــا قُــرِعت لـذي الحِـلمِ

وقال المتلمِّس في ذلك: من الطويل

لِـذِي الحـلم قبل اليوم ما تُقْرَع العصا ومــا عُلِّــم الإنســان إلاّ ليعلمـا

وقال الفرزدق بن غالب: من الطويل
فـإن كـنتُ أسـتأنِي حـلومَ مُجَاشـعٍ فـإنّ العصـا كـانت لذي الحلم تقرعُ

ومن ذلك حديثُ سعْد بن مالك بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة واعتزامُ الملك على قتل أخيه إن هو لم يُصِب ضَميره فقال له سعد: أبيتَ اللعن أتدعُني حتَّى أقرعَ بهذه العصا أختها فقال له الملك: وما عِلْمُه بما تقول العصا فقرع بها مرّةً وأشار بها مرةً ثمّ رفعها ثم وضعها فهِم المعنى فأخبره ونجا من القتل

وذِكْر العصا يجري عندهم في معانٍ كثيرة تقول العرب: العصا من العُصَيَّة والأفعى بنت حيَّة تريد أن الأمر الكبير يحدث عن الأمر الصغير

ويقال: فلانٌ شقَّ عصا المسلمين ولا يقال شق ثوباً ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق وقال العتَّابي في مديح بعض الخلفاء: من الطويل

إمــامٌ لــه كــفٌّ يضـم بنانهـا عصـا الدّينِ ممنوعاً من البرْيِ عودُها
وعيــنٌ محــيطٌ بالبرَّيـة طرفُهـا سَــوَاءٌ عليــه قُرْبُهــا وبَعيدُهـا

وقال مُضَرِّس الأسدي: من الطويل

فـألقت عصـا التَّسـيار عنها وخيَّمَتْ بأرجـاء عـذب المـاء بيض محافره

وقال أيضاً: من الطويل

فـألقت عصاهـا واستقرّت بها النوى كمــا قـرّ عينـاً بالإيـاب المسـافرُ

ويقال لبني أسد: عبيد العصا يُعنَى أنهم كانوا ينقادون لكل من حالفوا من الرؤساء وقالَ بشر بن أبي خازم: من الطويل

عَبيــد العصــا لـم يتَّقـوك بذِمّـةٍ سـوى سَـيب سُـعْدَى إنّ سيبَك واسعُ

وتسمّى العربُ كلَّ صغيرِ الرّأس: رأسَ العصا وكان عمرُ بن هُبَيرة صغير الرّأس فقال سُويد بن الحارث: من الطويل

مَــن مُبلـغٌ رأسَ العصـا أنَّ بيننـا ضغـائنَ لا تُنْسَـى وإن قـدُم الدّهـرُ

وقال آخر:

فمــن مبلـغ رأس العصـا أنّ بيننـا ضغـائنَ لا تنسـى وإن قيـل سُـلَّتِ
رضيــتَ لقيسٍ بـالقليل ولـم تكـن أخــاً راضيـاً لـو أنّ نعلَـكَ زَلّـتِ

وكانت والبة صغير الرأس فقال أبو العتاهية في رأس والبة ورؤوس قومه: من الطويل

رؤوس عِصِـي كُـنَّ مـن عُـودِ أثلةٍ لهـا قـادحٌ يَـبرِي وآخـر مُخْـرِبُ

والدليل على أنهم كانوا يتَّخذون المخاصرَ في مجالسهم كما يتخذون القنا والقِسيَّ في المحافل قولُ الشاعر في بعض الخلفاء: من البسيط

فــي كفّـه خـيزُرانٌ ريحـهُ عبـقٌ مـن كَـفِّ أروعَ فـي عرنينـه شَمَمُ

يُغْضِـي حيـاءً ويغضَـى من جلالته فمـــا يُكــلّمُ إلاّ حــين يَبتَسِــمُ

وقال الآخر:

مجالسـهم خَـفْضَ الحـديثِ وقـولهم إذا مـا قضَوْا في الأمر وحْيُ المخاصرِ

وقال الآخر: من الطويل

يُصيبـون فَصـل القول في كلِّ خطبة إذا وصلــو ا أيمــانَهم بالمخـاصر

وحدَّثني بعضُ أصحابنا قال: كنّا منقطِعِينَ إلى رجلٍ من كبار أهل العسكر وكان لُبْثنا يطولُ عنده فقال له بعضُنا: إن رأيتَ أن تجعلَ لنا أمارةً إذا ظهرَتْ لنا خفّفْنا عنك ولم نُتعبك بالقُعود فقد قال أصحاب معاوية لمعاوية مثلَ الذي قُلنا لك فقال: أمارةُ ذلك أنْ أقول: إذا شئتم وقيل ليزيدَ مثلُ ذلك فقال: إذا قلتُ على بركة اللَّه وقيل لعبد الملك مثلُ ذلك فقال: إذا ألقيت الخيزرانة من يدي فأيُّ شيءٍ تجعلُ لنا أصلحَكَ اللَّه قال: إذا قلتُ: يا غلامُ الغَدَاء

وفي الحديث: أنْ رجلاً ألحّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم في طلب بعض المَغْنم وفي يده مخصرةٌ فدفعه بها فقال يا رسول اللَّه: أقِصّني فلما كشف النبي له عن بطنه احتضنه فقبَّل بطنه

وفي تثبيت شأنِ العصا وتعظيم أمرها والطّعنِ على مَن ذمَّ حامِلَها قالوا: كانت لعبد اللَّه بن مسعود عشرُ خصال: أوّلها السِّواد وهو سِرار النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: إذْنُك عليّ أن يُرفع الحجاب وتسمع سِوَادي وكان معه مسواكُ النبي صلى الله عليه وسلم وكانت معه عصاه
قال: ودخل عُمَير بن سعد على عمر بن الخطاب حينَ رجع إليه من عمل حمص وليس معه إلاّ جرابٌ وإداوَة وقَصعةٌ وعصاً فقال له عمر: ما الذي أرى بك من سوء الحال أو تصنُّع قال: وما الذي تَرى بي ألستُ صحيحَ البدَن معي الدُّنيا بحذافيرها قال: وما معَك من الدنيا قال: معي جرابي أحمل فيه زادي ومعي قَصعتي أغسل فيها ثوبي ومعي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي ومعي عصاي إنْ لقيتُ عدوّاً قاتلتُه وإن لقيت حيّة قتلتُها وما بقي من الدنيا فهو تبعٌ لما معي

لا تَعـــدِلنَّ أتــاويِّين تضــربُهم نكبـاءُ صِـرٌّ بأصحـاب المُحِـلاّتِ

قال: والمُحِلاّت: الدلو والمِقدحَةُ القِربة والفأس قال: فأين أنت عن العصا والصُّفْن خير من الدَّلو وأجمعُ وقال النَّمر بن تولب: من البسيط

أفـرغتُ فـي حَوضها صُفني لتشربَه فـي داثـرٍ خَـلَق الأعضـادِ أهـدَامِ

وأما العصا فلو شئتُ أن أشغلَ مجلسي كله بخصالها لفعلت

وتقول العرب في مديح الرجل الجَلْد الذي لا يُفتات عليه بالرأي: ذلك الفحلُ لا يُقرَع أنفه وهذا كلام يقال للخاطب إذا كان على هذه الصِّفة لأنّ الفحل اللئيم إذا أراد الضِّراب ضربوا أنفَه بالعصا

وقد قال أبو سُفيانَ بنُ حرب بن أميَّة عندما بلغه من تزوُّج النبي صلى الله عليه وسلم بأمّ حَبيبة وقيل له: مثلك تُنكَح نساؤه بغير إذنه فقال: ذلك الفحلُ لا يُقرع أنفه

والحمار الفارِه يفسده السَّوط وتصلحه المِقرعة وأنشد لسَلامة بن جندل: من البسيط
إنّــا إذا مـا أتانـا صـارخ فـزِعٌ كـان الصُّـرَاخُ لـه قـرعَ الظَّنَـابيب

وقال الحجاج: واللّه لأعصِبَنَّكم عصْبَ السَّلَمة ولأضربنَّكم ضرب غرائب الإبل وذلك أن الأشجار تُعْصَبُ أغصانُها ثم تخبط بالعصيّ لسقوط الورق وهَشِيم العِيدان

ودخل أبو مِجْلز على قتيبة بخراسان وهو يضرب رجالاً بالعصيّ فقال: أيُّها الأمير إنّ اللَّه قد جعل لكل شيء قدْراً ووقّت فيه وقتاً فالعصا للأنعام والبهائمِ العظام والسَّوط للحدود والتعزير والدِّرَّة للأدب والسَّيف لقتال العدوِّ والقَوَد

ثم قال الشّرْقيّ: ولكن دعْنا من هذا خرجتُ من الموصل وأنا أريد الرَّقّةَ مستخفياً وأنا شابٌّ خفيف الحاذِ فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيتُ بعده مثلَه فذكر أنه تغلبي من ولد عمرو بن كلثوم ومعه مِزْود وركوة وعصاً فرأيتُه لا يفارقها وطالت ملازمتُه لها فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية فكنَّا نمشي فإذا أصبنا دوابَّ ركبناها وإن لم نُصب الدوابَّ مشَينا فقلت له في شأن عصاه فقال لي: إنّ موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم حين آنس من جانب الطُّور ناراً وأراد الاقتباس لأهله منها لم يأتِ النارَ في مقدار تلك المسافة القليلة إلاّ ومعه عصاه فلما صار بالوادي المقدَّس من البقعة المباركة قيل له: ألق عصاك واخلَعْ نعليك فرمى بنعليه راغباً عنهما حين نزّه اللَّه ذلك الموضِع عن الجِلد غير الذَّكيّ وجعل اللَّه جِمَاعَ أمره من أعاجيبه وبرهاناته في عصاه ثم كلمه من جوف شجرةٍ ولم يكلّمه من جوف إنسان ولا جانّ

قال الشّرْقيّ: إنه ليُكثر من ذلك وإني لأضحك متهاوناً بما يقول فلما برزْنا على حمارَينا تخلَّف المُكَاري فكان حمارُه يمشي فإذا تلكّأَ أكرهَه بالعصا وكان حماري لا ينساق وعلم أنه ليس في يدي شيءٌ يُكرهه فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح وأراح ولم أقدر على البَراح حتَّى وافاني المُكاري فقلت: هذه واحدة

فلمّا أردْنا الخروجَ من الغدِ لم نقدْر على شيءٍ نركبُه فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا وربما أحضَرَ ووضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها ومَرَّ كأنه سهم زالج حتى انتهينا إلى المنزل وقد تفسَّخْتُ من الكلال وإذا فيه فضل كثير فقلت: هذه ثانية

فلمَّا كان في اليوم الثالث ونحن نمشي في أرض ذات أخاقيقَ وصُدوع إذْ هجمنا على حيَّةٍ منكَرة فساورتْنا فلم تكن عندي حيلةٌ إلا خِذلانَه وإسلامَه

إليها والهربَ منها فضربها بالعصا فثقلت فلمَّا بَهَشَت له ورفعت صدرَها ضَربَها حتَّى وقذَها ثمّ ضربها حتَّى قتلها فقلت: هذه ثالثةٌ وهي أعظمهنّ

فلمّا خرجنا في اليوم الرابع وقد واللّه قَرِمْت إلى اللَّحم وأنا هاربٌ مُعْدِم إذا أرنبٌ قد اعترضَتْ فحذفها بالعصا فما شَعرتُ إلاّ وهي معلَّقة وأدركنا ذكاتَها فقلت: هذه رابعة

وأقبلتُ عليه فقلت: لو أنّ عندنا ناراً لما أخّرتُ أكلَها إلى المنزل قال: فإنّ عندك ناراً فأخرج عُوَيداً من مِزْودِه ثمّ حكّه بالعصا فأورَتْ إيراءً المَرْخُ والعَفَارُ عنده لا شيء ثم جَمَع ما قدَر عليه من الغُثاء والحشيش فأوقد نارَه وألقى الأرنبَ في جوفها فأخرجناها قد لزِق بها من الرَّماد والتُّراب ما بغّضَها إليّ فعلَّقَها بيده اليُسرى ثم ضرب بالعصا على جُنوبها وأعْراضها ضرباً رقيقاً حتَّى انتثر كلُّ شيءٍ عليها فأكلناها وسكن القَرَم وطابت النَّفس فقلت: هذه خامسة

ثمّْ إنّا نزلْنا بعضَ الخانات وإذ البيوتُ مِلاءٌ روثاً وتُراباً ونزلنا بعَقِب جُنْدٍ وخَرابٍ متقدّم فلم نجدْ موضعاً نَظلُّ فيه فنظر إلى حديدةِ مِسحاةٍ مطروحةٍ في الدّار فأخذَها فجعل العصا نِصَاباً لها ثمّ قام فجرفَ جميعَ ذلك التُّرابِ والرَّوث وجرَدَ الأرضَ بها جَرْداً حتَّى ظهر بياضُها وطابت ريحُها فقلت: هذه سادسة

وعلى أيِّ حالٍ لم تَطِبْ نفسي أن أضعَ طعامي وثيابي على الأرض فنَزَع واللَّه العصا من حديدة المِسحاة فوتَدها في الحائط وعلَّقَ ثيابي عليها فقلت: هذه سابعة

فلما صرتُ إلى مَفْرِق الطُّرق وأردتُ مفارقته قال لي: لو عَدَلت فبتَّ عندي كنتَ قد قضيتَ حقَّ الصُّحبة والمنزلُ قريب فعدلتُ معه فأدخلَني في مَنزلٍ يتَّصل ببيعة قال: فما زال يحدِّثني ويُطْرِفني ويُلْطِفني اللّيلَ كلَّه فلما كان السّحرُ أخذ خُشَيْبة ثم أخرجَ تلك العصا بعينها فقرعَها بها فإذا ناقوسٌ ليس في الدنيا مثلهُ وإذا هو أحذَقُ الناس بضرْبه فقلت له: ويلَك أمَا أنت مسلم وأنت رجلٌ من العرب من ولد عَمرو بن كلثوم قال: بلى قلت: فلِمَ تضربُ بالناقوس قال: جُعلتُ فِداك إنَّ أبي نصرانيّ وهو صاحب البِيعة وهو شيخٌ ضعيف فإذا شَهِدتُه بَرَرته بالكفاية

فإذا هو شيطانٌ مارد وإذا أظرفُ النّاس كلِّهم وأكثرُهم أدباً وطلباً فخبَّرته بالذي أحصيتُ من خِصالِ العصا بعد أن كنتُ هممتُ أن أرمَي بها فقال: واللَّه لو حدّثتُك عن مناقب نفع العصا إلى الصبح لما استنفَدْتُها
 

 

جديد منتدى المعهد العربي

أقسام الموسوعة الأدبية الشاملة

إشترك الآن للحصول على النشرات الدورية


آخر المقالات

الأكثر قراءة