الغلاف الأدب العربي من كتاب الأمالي لأبو علي القالي

نوارس أدبية

السبت
مايو 19
English Bulgarian Chinese (Simplified) Chinese (Traditional) Croatian Czech Danish Dutch Finnish French German Greek Hindi Italian Japanese Korean Polish Portuguese Romanian Russian Spanish Swedish Filipino Latvian Lithuanian Serbian Slovak Ukrainian Vietnamese Albanian Hungarian Thai Turkish

من كتاب الأمالي لأبو علي القالي

إرسال إلى صديق طباعة PDF
( 6 - عدد مرات التقييم )

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الجزء الأول
قال الشيخ أبو على إسماعيل بن القاسم القالى البغدادى رحمه الله: الحمد لله الذى جل عن شبه الخليقة، وتعالى عن الأفعال القبيحة؛ وتنزه عن الجور، وتكبر عن الظلم؛ وعدل فى أحكامه، وأحسن إلى عباده؛ وتفرد بالبقاء، وتوحد بالكبرياء، ودبر بلا وزير، وقهر بلا معين؛ الأول بلا غاية، والآخر بلا نهاية؛ الذى عزب عن الأفهام تحديده، وتعذر على الأوهام تكييفه؛ وعميت عن إدراكه الأبصار، وتحيرت فى عظمته الأفكار؛ الشاهد لكل نجوى، السامع لكل شكوى، والكاشف لكل بلوى؛ الذى لا يحويه مكان، ولا يشتمل عليه زمان، ولا ينتقل من حال إلى حال؛ القادر الذى لا يدركه العجز، والعالم الذى لا يلحقه الجهل؛ والجواد الذى لا ينزح، والعزيز الذى لا يخضع؛ والجبار الذى قامت السموات بأمره، ورجفت الجبال من خشيته.
والحمد لله الذى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالدلائل الواضحة، والحجج القاطعة، والبراهين الساطعة؛ بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجا منيرا؛ فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونهض بالحجة، ودعاء إلى الحق، وحض على الصدق؛ صلى الله عليه وسلم.

ثم أما بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على خير البشر صلى الله عليه وسلم، فإنى لما رأيت العلم أنفس بضاعة، أيقنت أن طلبه أفضل تجارة؛ فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية. ثم أعلمت نفسى في جمعه، وشغلت ذهنى بحفظه؛ حى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه؛ وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه، ثم صنته بالكتمان عمن لا يعرف مقداره، ونزهته عن الإذاعة عند من يجهل مكانه؛ وجعلت غرضى أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه إلى من يعرف محله؛ وأنشره عند من يشرفه، وأقصد به من يعظمه؛ إذ بائع الجوهر وهو حجر يصونه بأجود صوان، ويودعه أفضل مكان؛ ويقصد به من يجزل ثمنه، ويحمله إلى من يعرف قدره؛ على أنه لا يستحق بسببه أن يوصف بالفضل بائعه ولا مشتريه، ولا يستوجب أن يحمد من أجل المبالغة فى ثمنه مقتنيه، والعلم يذكر بالرجاحة طالبه، وينعت بالنباهة صاحبه ويستحق الحمد عند كل العقلاء حاويه، ويستوجب الثناء من جميع الفضلاء واعيه، ويفيد أسنى الشرف مشرفه ويكتسب أبقى الفخر معظمه فغبرت برهة ألتمس بنشره موضعا، ومكثت دهرا أطلب لإذاعته مكانا، وبقيت مدة أبتغى له مشرفا وأقمت زمناً ارتدى له مشتريا، حتى تواترت الأنباء المتفقة وتتابعت الصفاة الملتئمة التى لا تخالجها الشكوك ولا تمازجها الظنون، بأنه مشرفه فى عصره، أفضل من ملك الورى، وأكرم من جاد البللهى، وأجود من تعمم وارتدى، وأمجد من ركب ومشى، وأسود من أمر ونهى، سمام العدى، فياض الندى، ماضى العزيمة، مهذب الخليقة، محكم الرأى صادق الوأى، باذل الأموال، محقق الآمال، مفشى المواهب، معطى الرغائب أمير المؤمنين، وحافظ المسلمين، وقامع المشركين، ودامغ المارقين، وابن عم خاتم النبيين، محمد صلى الله عليه وسلم، (عبد الرحمن بن محمد) محيى المكارم، ومبتنى المفاخر، الذى إذا رضا غنى، وإذا غضب أردى، وإذا دعا أجاب، وإذا استصرخ أغاث. وأن معظمه مشتريه، وجامعه ومقتنيه، ربيع العفاة، وسم العداة، ذو الفضل والتمام، والعقل والكمال، المعطى قبل السؤال، والمنير قبل أن يستنال (الحكم) ولى عهد المسلمين، وابن سيد العالمين أمير المؤمنين (عبد الرحمن بن محمد) الإمام العادل، والخليفة الفاضل، الذى لم يرى فيما مضى من الأمراء شبهه، ولا نشأ فى الأزمنة من الكرماء مثله، ولا ولد نساء من الأجواد نظيره، ولا ملك العباد من الفضلاء عديله، فخرجت جائداً بنفسى، باذلا لحشاشتى، أجوب متونا قفارى، وأخوض بحج البحار، وأركب الفلوات، وأقتحم الغمرات، مؤملا أن أوصل العلق النفيس إلى من يعرفه، وأنشر المتاع الخطير ببلد من يعظمه، وأشرف الشريف باسم من يشرفه، وأعرض الرفيع على من يشتريه، وأبذل الجليل لمن يجمعه ويغتنيه، فمن الله جل وعز بالسلامة، وحبا تعالى ذكره بالعافية، حتى حللت بعصرة الخواف، وعصمة المضافى، والمحل الممرع، والربيع المخصب، فناء أمير المؤمنين (عبد الرحمن بن محمد) المبارك الطلعة، ميمون الغرة، الجم الفواضل، الكثير النوافل، الغيث فى المحل، الثمال فى الأزل، البدر الطالع، الصبح الساطع، الضوء اللامع، أسراج الزاهر، السحاب الماطر، الذى نصر الدين، وأعز المسلمين، وأذل المشركين، وقمع الطغاة، وأباة العصاة، وأطفىء نار النفاق، وأهمد جمر الشقاق، وذلل من الخلق من تجبر، وسهل من الأمر ما توعد، ولما الشعث، وأمن السبل، وحقن الدماء. أبقاه الله سالماً فى جسمه، معافاً فى بدنه، مسروراً بأيامه، مبتهجاً بزمانه، وخصه بطول المدة، وتتابع النعمة، وأبقى خلفته، وأدام عافيته، وتولى حفظه، ولا أزال عنا ظله. وصحبت الحيا المحسب والجواد المفضل، الذى إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا، وإذا وهب أسنع، وإذا أعطى أقنع، (الحكم) فرأيته - أيده الله - أجَّل الناس بعد أبيه خطره وأرفعه بقدره، وأوسعهم كنفا، وأفضلهم سلفا، وأغذرهم علما، وأعظمهم حلما، يملك غضبه فلا يعجل، ويعطى على العلاة فلا يمل، مع فهم ثاقب، ولب راجح، ولسان عضب، وقلب ندب، فتابعا لدى النعمة، وواترا على الإحسان، حتى أبديت ما كنت له كاتما، ونشرت ما كنت له طاويا، وبذلت ما كنت به ضنينا، ومذلت بما كنت عليه شحيحا، فأمللت هذا الكتاب من حفظا فى الأخمسة بقرطبة، وفى المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنون من الأخبار، وضروبا من الأشعار

وأنواع من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه باباً فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فناً من الخبر إلا انختلته ولا نوعاً من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذى ذكر فيه اسم الإمام كاملا، وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديله السبيل الأرشد، والطريق الأقصد. من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه باباً فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فناً من الخبر إلا انختلته ولا نوعاً من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذى ذكر فيه اسم الإمام كاملا، وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديله السبيل الأرشد، والطريق الأقصد.
قال أبو على اسماعيل بن قاسم البغدادى: قرأ أبو عمرو بن العلاء: ما ننسخ من آيةٍ أو ننسأها على معنى أو نؤخرها. والعرب تقول: نسأ الله فى أجلك، وأنسأ الله أجلك، أى أخر الله أجلك. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: " من سره النساء فى الأجل والسعة فى الرزق فليصل رحمه " والنساء: التاخير، يقال: بعته بنساء وبنسيئة، أي بتأخير، وأنسأته البيع. وقال الله عز وجل: (إنما النسىء زيادة فى الكفر)، والمعنى فيه على ما حدثنى أبو بكر بن الأنبارى رحمه الله: أنهم كانوا إذا صدروا عن منى قام رجل من بنى كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، فقال: أنا الذى لا أعاب، ولا يرد لى قضاء، فيقولون له: أنسئنا شهراً، أى أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها فى صفرٍ، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا تمكنهم الإغارة فيها، لأن معاشهم كان من الإغارة، فيحل لهم المحرم ويحرم عليهم صفرا، فإذا كان فى السنة المقبلةحرم عليهم المحرم وأحل لهم صفرا؛ فقال الله عز وجل: (إنما النسىء زيادة فى الكفر)، وقال الشاعر:
ألسنا الناشئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما
وقال الآخر:
وكنا الناشئين على معد ... شهورهم الحرام إلى الحليل
وقال آخر:
نسئوا الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتمحول
قال أبو بكر بن الأنبارى رحمه الله: معنى قوله عز وجل: (ولتعرفنهم فى لحن القول) أى فى معنى القول، وفى مذهب القول، وأنشد للقتال الكلابى
ولقد لحنت لكمن لكيما تفهموا ... ووحيت وحيا ليس بالمرتاب
معناه: ولقد بينت لكم. واللحن بفتح الحاء: الفطنة، وربما أسكنوا الحاء أسكنوا الحاء فى الفطنة، ورجل لحن، أى فطن، قال لبيد يصف كاتبا
متعود لحن يعيد بكفه ... قلما على عسب ذبلن وبان
ومن اللحن الحديث الذى يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلين اختصما إليه فى مواريث وأشياء قد درست، فقال عليه السلام: " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار " فقال كل واحد من الرجلين: يا رسول الله، حقى هذا لصاحبى؛ فقال: " لا ولكن اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه " . ومنه قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم! أى فاطنهم.
وحدثنى أبو بكر عن أبى العباس عن ابن الأعرابى قال: يقال قد لحن الرجل يلحن لحناً فهو لاحن إذا أخطأ، ولحن يلحن لحنا فهو لحن إذا أصاب وفطن، وأنشد
وحديث ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
معناه: وتصيب أحيانا.

وحدثنى أيضا قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال أخبرنا نصر بن على قال أخبرنا الأصمعى عن عيسى بن عمر قال: قال معاوية للناس: كيف ابن زياد فيكم؟ قالوا: ظريف على أنه يلحن، قال فذاك أظرف له، ذهب معاوية إلى اللحن الذى هو الفطنة، وذهبوا هم إلى اللحن الذى هو الخطأ. واللحن أيضاً: اللغة ذكره الأصمعى وأبو زيد؛ ومنه قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن. فاللحن: اللغة.
وروى شريك عن أبى إسحاق عن ميسرة أنه قال فى قوله عز وجل: (فأرسلنا عليهم سيل العرم): العرم: المسناة بلحن اليمن، أى بلغة اليمن، وقال الشاعر
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنت على خضراء سمر قيودها
صدروح الضحى معروفة اللحن لم يزل ... تقود الهوى من مسعدٍ ويفودها
وقال الآخر
لقد تركت فؤادك مستجنا ... مطوقة على فننٍ تغنى
يميل بها وتركبه بلحن ... إذا ما عن للمخزون أنا
فلا يحزنك أيام تولى ... تذكرها ولا طير أرنا
وقال الآخر:
وهاتفين بشجوٍ بعد ما سجعت ... ورق الحمام بترجيع وإرنان
باتا على غضن بان فى ذرى فننٍ ... يرددان لحونا ذات ألوان
معناه: يرددان لغاتٍ؛ وصرف أبو زيد منه فعلا فقال: لحن الرجل يلحن لحنا إذا تكلم بلغته؛ قال: ويقال: لحنت له لحناً إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره؛ ولحنه عنى لحناً، أيى فهمه، وألحته أنا إياه إلحانا، وهذا مذهب أبى بكر بن دريد فى تفسير قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيانا
قال: يريد: تعوص فى حديثها فتزيله عن جهته لئلا يفهمه الحاضرون، ثم قال
وخير الحديث ما كان لحنا
أي خير الحديث ما فهمه صاحبك الذى تحب إفهامه وحده وخفى على غيره.
قال: وأصل اللحن أن تريد الشىء فتورى عنه بقول آخر، كقول رجل من بنى العنبر كان أسيرا فى بكر بن وائل، فسألهم رسولا إلى قومه، فقالوا له: لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذر عليهم، فجىء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنى لعاقل، قال: ما أراك عاقلاً؛ ثم قال: ما هذا؟ - وأشار بيده إلى الليل - فقال: هذا الليل؛ فقال: أراك عاقلاً؛ ثم ملأ كفيه من الرمل فقال: كم هذا؟ فقال: لا أدرى وإنه لكثير، فقال: أيما أكثر، النجوم أو النيران؟ فقال: كل كثير، فقال: أبلغ قومى التحية وقل لهم: ليكرموا فلانا - يعنى أسيرا كان فى أيديهم من بكر بن وائل - فإن قومه لى مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبى، وق شكت النساء؛ وأمرهم أن يعروا ناقتى الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب بآية ما أكلت معكم حبساً؛ واسألوا الحارث عن خبرى. فلما أذى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء، ولا جملا أصهب؛ ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم. أما قوله: قد أدبى العرفج، فإنه يريد أن الرجال قد استلأموا، أى لبسوا الدروع؛ وقوله: شكت النساء، أى اتخذن الشكاء للسفر؛ وقوله: ناقتى الحمراء، أى ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب؛ وقوله: بآية ما أكلت معكم حيساً، يريد اخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط. فامتثلوا ما قال وعرفوا فحوى كلامه.
وأخذ هذا المعنى أيضاً رجل من بنى تميمٍ كان أسيرا فكتب إلى قومه
حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا
يريد أن الناس كلهم إذا أخصبوا عدو لكم كبكر بن وائل.
قال أبو على: ومعنى صائب، على مذهب أبى العباس فى معنى البيت: قاصد، كما قال جميل
وما صائب من نابلٍ قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق
فيكون معنى قوله: منطق صائب، أى قاصد للصواب وإن لم يصب؛ وتلحن أحيانا، أى تصيب وتفطن؛ ثم قال: وخير الحديث ما كان لحناً، أى إصابة وفطنة.
قال أبو على: ومعنى قوله جل وعز: (وغدوا على حردٍ قادرين) أى على قصد. قال الجميح
أما إذا حردت حردى فمجرية ... ضبطاء تسكن غيلاً غير مقروب
وقرىء على أبى بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول الأزرق فى مسجد الرصافة وأنا أسمع قال حدثنا حميد قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا عثمان بن حكيم قال أخبرنا عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحرم ما بين لاتبى المدينة أن يقطع عضاها أو يقتل صيدها " وقال: " المدينة خير لهم لو كانوا يعملون لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ولا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت شهيدا أو شفيعا يوم القيامة " .هكذا سمعت بلا " له " . قال أبو على: اللابة واللوبة: الحرة، فمن قال: لابة، قال فى جمعها: لاب، ومن قال: لوبة، قال فى الجمع: لوب، قال سلامة بن جندل.
حتى تركنا وما تثنى ظعائننا ... يأخذن بين سواد الخط فاللوب
والعضاه: كل شجر له شوك يعظم، ومن أعرف ذلك: الطلح والسلم والسيال والعرفط والسمر والشبهان والكهنبل، والواحدة عضة، قال الراعى:
وخاردع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه به والعرق مدخول
واللاواء: الشدة، قال رؤبة
لاواءها والأزل والمظاظا
الأزل: الضيق. والمظاظ: المشارة، يقال: ما ظظت فلانا مماظةً ومظاظا.
قال أبو على: وقرىء على الأزرق وأنا أسمع قال حدثنا بشر بن مطر قال حدثنا سفيان عن عرو عن أبى العباس عن عبد الله بن عمرو قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار " فقلت: إنى أفعل ذلك فقال: " إنك إن فعلت ذلك هجمت عيناك ونفهت نفسك إن لعينك حقا ولأهلك حقا ولنفسك حقا فقم ونم وصم وأفطر " . قال أبو على: قال أبو عمرو الشيبانى: هجمت عينه وخوصت وقدحت ونقنقت عينه نقنقة: كل ذلك إذا غارت. وقال الأصمعى: حجلت عينه وهجمت: كلاهما غارت. وجاء حاجلةً عينه، وأنشد
وأهلك مهر أبيك الدوا ... ء ليس له من طعام نصيب
فتصبح حاجلةً عينه ... لحنو استه وصلاه غيوب
وحاجلةً: من حجلت بالتخفيف، والأكثر حجلت بالتشديد فهى محجلة. ونفهت: أعيت، ويقال للمعي: نافه ومنفه، وجمع النافة نفه، قال رؤبة (يعنى قفرا).
به تمطت غول كل ميله ... بنا حراجيج المهارى النفه
والميله: الذى يوله سالكه، أى يحيره.
وحدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه عبد الملك ابن قريب قال: سمعت أعرابيا يدعو الله وهو يقول: هربت إليك بنفسى يا ملجأ الهاربين بأثقال الذنوب أحملها على ظهرى؛ لا أجد شافعا إليك إلا معرفتى بأنك أكرم من قصد إليه المضطرون، وأمل فيما لديه الراغبون؛ يا من فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده؛ وجعل ما امتن به من ذلك على خلقه كفاءً لتأدية حقه؛ لا تجعل للهوى على عقلى سبيلا، ولا للباطل على عملى دليلاً.
وحدثنا أبو بكر قال أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكبى عن أبيه قال: لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير دخل الكوفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس، إن الحر صعبة مرة، وإن السلم أمن ومسرة؛ وقد زبنتنا الحرب وزبناها، فعرفناها وألفناها، فنحن بنوها وهى أمنا. أيها الناس، فاستقيموا على سبل الهدى، ودعوا الهواء المردية؛ وتجنبوا فراق جماعات المسلمين، ولا تكلفوها أعمال المهاجرين الأولين، وأنتم لا تعملون أعمالهم؛ ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شراً، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة؛ فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد، فإنما مثلى ومثلكم كما قال قيس بن رفاعة
من يصل نارى بلا ذنب ولا ترة ... يصل بنار كريمٍ غير غدار
أنا النذير لكم منى مجاهرةً ... كى لا ألام على نهىٍ وإنذار
فإن عصيتم مقالى اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لترجعن أحاديثاً ملعنةً ... لهو المقيم ولهو المدلج السارى
من كان فى نفسه حوجاء يطلبها ... عندى فإنى له رهن بإصحار
أقيم عوجته إن كان ذا عوج ... كما يقوم قدح النبعة البارى
وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه ... عندى وإنى لدراك بأوتار

قال أبو على: زبنتنا الحرب وزبناها، أيى دفعتنا ودفعناها، والزبن، الدفع، ومنه اشتقاق الزبانية، لأنهم يدفعون أهل النار إلى النار، ومنه قيل: حرب زبون، قال الشاعر:
عدتنى عن زيارتا العوادى ... وحالت دونها حرب زبون
عدتنى: صرفتنى، والعوادى: الصوارف. والزبون من النوق: التى ترمح عند الحلب. والخزى: الهوان، يقال: خزى يخزى خزياً، والخزاية: الاستحياء، يقال: خزى يحزى خزايةً. المدلج: الذى يسير من أول الليل، يقال: أدلجت، أى سرت من أول الليل، فأنا مدلج، وأدلجت، أى سرت فى آخره، فأنا مدلج، والدلجة والدلج بفتح الدال: سير آخر الليل، والإدلاج: من أول الليل، ويقال: الدلج والدلجة: سير الليل كله، قال الراجز
كأنها وقد براها الإخماس ... ودلج الليل وهادٍ قياس
شرائح النبع براها القواس
والدلجة بضم الدال: من آخره، ومن الناس من يجيز الدلجة والدلجة فى كل واحد منهما، كما قالوا: برهة من الدهر وبرهة، قال زيد الخيل
يا بنى الصيداء ردوا فرسى ... إنما يفعل هذا بالذليل
عودوه مثل ما عودته ... دلج الليل وإيطاء القتيل
ويرى: دلج جمع دلجة. والسىر: الذى يسير بالليل، يقال: سريت فأنا سارٍ، أى سرت ليلا، وأسريت أيضاً، ويروى بيت النابغة على وجهين
سرت عليه من الجوزاء سارية ... نزجى الشمال عليه جامد البرد
وأسرت.
والسرى: سير الليل. والحوجاء: الحاجة. والعوج: فى كل ما كان منتصبا مثل الإنسان والعصا وما أشبههما، والعوج: فى الدين والأمر وما أشبههما. والوتر: الذحل بكسر الواو لا غير، والوتر بفتح الواو وكسرها: الفرد، ويقرأ والشفع والوتر والوتر بفتح الواو وكسرها: الفرد، ويقرأ والشفع والوتر والوتر، الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم وأسد وقيس؛ ويقولون فى الوتر الذى هو الفرد: أوترت فأنا أوتر إيتارا، وفى الدحل: وترته فأنا أتره وتراً وترةً.
وحدثنا أبو بكر قال أخبرنا أبو عثمان قال أخبرنى العتبى عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان - رحمه الله - كان يوجه إلى مصعب جيشا بعد جيش فيهزمون، فلما طال ذلك عليه واشتد غمه أمر الناس فعسكروا ودعا بسلاحه فلبسه، فلما أراد الركوب قامت إليه أم يزيد ابنه - وهي عاتلكة بنت يزيد بن معاوية - فقالت: يا أمير المؤمنين، لو أقمت وبعثت إليه لكان الرأى، فقال: ما إلى ذلك من سبيل، فلم تزل تمشى معه وتكلمه حتى قرب من الباب، فلما يئست منه رجعت فبكت وبكى حشمها معها، فملا علا الصوت رجع إليها عبد الملك فقال: وأنت أيضاً ممن يبكى! قاتل الله كثيراً، كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يقول:
إذا ما أراد الغزو لم تئن همه ... حصان عليها نظم در يزينها
ولكن مضى ذو مرةٍ متثبت ... بسنة حق واضحٍ مستبينها
وفى عبد الملك يقول كثير
أحاطت يداه بالخلافة بعدما ... أراد رجال آخرون اغتيالها
وفى هذه القصيدة يقول فيه أيضاً:
فما أسلموها غنةً عن مودةٍ ... ولكن بحد المشرفى استقالها
وكنت إذا نابتك يوما ملمة ... نبلت لها أبا الوليد نبالها
سموت فأدركت العلاء وإنما ... يلقى عليات العلا من سمالها
وصلت فنالت كفك المجد كله ... ولم تبلغ الأيدى الوسامى مصالها
وحدثنى أبو بكر بن دريد رحمه الله قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن هشام قال: قال العباس بن الوليد بن عبد الملك لمسلمة بن عبد الملك
ألا تقنى الحياء أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتى وعذلى
فلولا أن أصلك حين تنمى ... وفرعك منتمى فرعى واصلى
وأنى إن رميتك هضت عظمى ... ونالتنى إذا نالتك نبلى
لقد أنكرتنى إنكار خوف ... يضم حشاك عن شمى وأكلى
كقول المرء عمروٍ فى القوافى ... لقيسٍ حين خالف كل عدل
" عذيرى من خليلى من مرادٍ ... أريد حياته ويريد قتلى "
يريد: عمرو بن معد يكرب، وقيس بن مكشوح.

وحدثنا أبو بكر قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: حدثنى من سمع أعرابيا يقول لصديق له: دع عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره؛ فليس من حكى عنك نكرا، توسعه فيك عذرا. قال وأخبرنا عبد الرحن عن عمه قال: قال أعرابى كبير السن: أصبحت والله تقيدنى الشعر وأعثر بالبعرة؛ وقد أقام الدهر صعرى بعد أن أقمت صعره.
قال أبو على: الصعر: الميل.
وأنشدنا أبو بكر قال أنشدنا عبد الرحمن من عمه قال: أنشدنا بعض أهل المدينة لخارجة بن فليح المللى.
ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلات النوال تجود
ألا طرقت ليلى لقى بين أرحل ... شجاه الهوى ولانأى فهو عميد
فليت النوى لم تسحق الخرق بيننا ... وليت الخيال المستراث يعود
إذا لأقاد النفس من فجعة الهوى ... بليلى وروعات الفؤاد مقيد
كأن الدموع الوكفات بذكرها ... إذا أسلمتهن الجفون فريد
إذا أدبرت بالشوق أعقاب ليلة ... أتاك بها يوم أغر جديد
حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو حاتم عن الأصمعى قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: أنت عندى كسالمٍ، فلم يدر ما هو، فكتب إلى قتيبة يسأله، فكتب إليه: إن الشاعر يقول
يديروننى عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين الأنف والعين سالم
ثم كتب إليه مرة أخرى: أنت عندى قدح ابن مقبل، فلم يدر ما هو، فكتب إلى قتيبة يسأله - وكان قتيبة قد روى الشعر - فكتب إليه: إن ابن مقبل نعت قدحاً له فقال:
غدا وهو مجدول وراح كأنه ... من المش والتقليب بالكف أفطح
خروج من الغمى إذا صك صكة ... بدا والعيون المستكفة تلمح
قال أبو على: المش: المسح، والمشوش: المنديل، قال امرؤ القيس
نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
والغمى: الشدة التى تغمن، أى تغطى. والمستكفة من قولهم: استكففت الشىء إذا وضعت يدك على حاجبك تنظر هل تراه كالذى يستظل من الشمس.
وقال الأصمعى: من أمثال العرب: " العير أوقى لدمه " ويقال ذلك للرجل، أى إنك أشد إبقاء على نفسه؛ ويقال: " الرياح من السماح " يريد أن المسامح أحرى أن يربح؛ ويقال: " عبد صريخه أمة " يضرب مثلا للضعيف يستصرخ بمثله. وقرأنا على أبى بكر بن دريد قول الشاعر
ولقد مررت على قطيع هالك ... من مال اشعث ذى عيالٍ مصرم
من بعد ما اعتلت على مطيتى ... فأزحت علتها فظلت ترتمى
القطيع: السوط. والهالك: الضائع. والمصرم: المقل المخف؛ يقول: كانت ناقتى قد اعتلت على، فلما أصبت السوط فضربتها به ظلت ترتمى، أى تترامى فى سيرها.
وحدثنا أبو عبد الله قال أخبرنى أحمد بن يحيى عن أبن الأعرابى عن أبى معاوية عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: مكتوب فى الحكمة: يا بنى، لتكن كلمتك طيبة، ووجهك بسطا، تكن احب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء؛ وأنشدنا أبو عبد الله
وكم من مليمٍ لم يصب بملامةٍ ... ومتبع بالذنب ليس له ذنب
وكم من محب صدر من غير بغضةٍ ... وإن لم يكن فى ود خلته عتب
وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنى عمى عن أبيه عن ابن الكلبى قال: قالت عجوز من العرب لثلاث بناتٍ لها: صفن ما تحببن من الأزواج؛ فقالت الكبرى: أيد أروع بساما، أحذ مجذاما، سيد ناديه، وثمال عافيه، ومحسب راجيه؛ فناؤه رحب، وقياده صعب. وقالت الوسطى، أريده على السناءن مصمم المضاء؛ عظيم نار، متمم أيسار؛ يفيد ويبيد، ويبدىء ويعيد، هو فى الأهل صبىّ، وفى الجيش كمىّ، تستبعده الحليله، وتسوده الفضيله. وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كالمهند الصمام؛ قرانه حبور، ولقاؤه سرور؛ إن ضم قضقض، وإن دسر أغمض، وإن أخل أحمض. قالت أمها: فض فوك! لقد فررت لى شرة الشباب جذعةً.

قال أبو على: قال أبو زيد: الأروع والنجيب واحد، وهما الكريم؛ وقال غيره: الأروع: الذى يروعك جماله. والأحد هنا هنا: الخفيف السرع، والأحذ أيضاً: الخفيف الذنب، ومنه قيل: قطاة حذاء. قال أبو بكر بن دريد: الحذذ: الخلفة والسرعة، والقطاة الحذاء: السريعة الطيران؛ ويقال: القليلة ريش الذنب، وحذ الشىء يحذه حذا إذا قطعه قطعا سريعاً، والحذة: القطعة من اللحم، وأنشد الأعشى
تكفيه حذة فلذٍ. وقال أبو عبيدة فى قول عتبة بن غزوان حين خطب الناس فقال:
إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء. قال أبو عمرو وغيره: الحذاء: السريعة الخفيفة التى قد انقطع آخرها، ومنه قيل للقطاة: حذاء لقصر ذنبها مع خفتها، وقال النابغة الذبيانى:
حذاء مدبرةً سكاء مقبلةً ... للماء فى النحر منها نوطة عجب
قال: ومن هذا قيل للحمار القصير الذنب أحد.
قال أبو على: أصل هذه الكلمة عندى الخفة ولم أسمع فى بيت أعشى حذة فلذ بالذال إلا من أبى بكر، فإن صحت هذه الرواية فلا تكون الحذة إلا القطعة الخفيفة. والمجذام: مفعال من الجذم، والجذم: القطع، يريد أنه قطاع للأمور. والنادى والندى: المجلس. والثمال: الغياث، وثمال القوم غياثهم ومن يقوم بأمرهم، يقال: فلان ثمال لبنى فلان إذا كان يقوم بأمرهم ويكون أصلا لهم وغياثا، ويقالك هو يثلمهم، والمرأةتثمل الصبيان، أى تكون أصلا لهم، قال الحطيئة
فدى لابن حصنٍ ما أريح فإنه ... ثمال اليتامى عصمة فى المهالك
والثمل ساكنة الميم: المقام والخفض، يقال: ليست دارنا بدار ثملٍ، قال أسامة بن الحارث الهذلى
كفيت النسا نسال حر وديقةٍ ... إذا سكن الثمل الظباء الكواسع
كفيت النسا، أى سريع العدو، وتلخيص معناه أن تقول: الكفيت: السريع. والنسا: عرق فى الفخذ يجرى إلى الساق، فكأنه قال: سريع الرجل وإذا كان سريع الرجل كان سريع العدو. والكواسع: التى تكسع بأذنابها من الذباب، ويقال: اختار فلان دار الثمل، أى دار الخفض والمقام، وثمل فلان فما يبرح، والثميلة: البقية تبقى من العلف والماء فى بطن البعير وغيره، والجميع: الثماثل، قال ذو الرمة
وأدرك المتبقى من ثميلته ... ومن ثماثلها واستنشىء الغرب
والثميلة: البقية تبقى من الماء فى الصخرة أو الوادى، وقد قالوا: الثميل: الماء الذى يبقى فى الوادى بعد مضى السيل عنه، قال الأعشى
بناجيةٍ كأتان الثميل ... تقضى السرى بعد أين عسيرا
والأتان: الصخرة تكون فى الماء، وإذا كانت فى الماء القليل فأصابتها الشمس صلبت. والثمالة: رغوة اللبن، يقال: حقنت الصريح وثملت الرغوة يريد بقيت، قال مزرد:
إذا مس خرشاء الثمالة أنفه ... ثنى مشفريه للصريح فاقنعا
وقال الأصمعى: الثمالة: ما بقى فى العلبة من الرغوة خاصة، والثمالة: ما بقى فى الحوض من الماء، وهو أيضاً: ما بقى فى البطن من الماء والطعام، ويقال: سقاه المثلم، يريد ساقه السم. قال أبو نصر: وترى أنه أنقع فبقى وثبت، وسيف ثامل، أى باق فى أيدى أصحابه زمانا، كذا قال الأصمعى؛ وقال أبو عمرو: قديم لا عهد له بالصقال؛ وقال خالد بن كلثوم: هو الذى فيه بقية، قال ابن مقبل:
لمن الديار عرفتها بالساحل ... وكأ،ها الواح سيف ثامل
والثملة: الصوفة تجعل فى الهناء ثم يطلى بها البيعر، أنشد الأصمعى:
ممغوثة أعراضهم ممرطلة ... كما ثلاث فى الهناء الثملة
والثملة ساكنة الميم: الحب والثمر والسويق يكون فى الوعاء إلى نصفه فما دونه، والجماع: الثمل. والثملة: ما أخرجت من أسفل الركبة من التراب والطين، وهذان الحرفان رويناهما عن ابى عبيد بضم الثاء وعن أبى نصر بفت الثاء، ويقال: ثمل يثمل ثملاً إذا أخذ الشراب فيه. وعافيه الذين يعفونه، أى يأتونه. يقال: عفاه يعفوه واعتفاه يعتفيه، وعراه يعروه واعتراه يعتريه، واعتره بعثتره، وعره يعره. ومحب: كافٍ، أنشدنا أبو بكر بن الأنبارى لأمرىء القيس:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنىً شبع ورى

أي يكفيك الشبع والري. وفناؤه رحب، أى واسع، ويقال: فناء الدار وثناؤها، والسناء من الشرف ممدود ومن الضوء مقصور. والمصمم من الرجال: الذى يمضى فى الأمور لا يرد عزمه شىء، والصمم من السيوف: الذى يمضى فى الضرائب لا يحبسه شىء. وأيسار جمع يسر، وهو الذى يدخل مع القوم فى القداح، وهو مدح، وقال الشاعر:
وراحلةٍ نحرت لشربٍ صدقٍ ... وما ناديت أيسار الجزور
والبرم: الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، وهو ذم وجمعه أبرام، قال متمم:
ولا برم تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
ويقال: كان رجل برماً فجاء إلى امرأته وهي تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين بضعتين، فقالت له امرأته: " أبرما قروناً " فأرسلتها مثلا. وقال أبو زيد: الكمى: الجرىء المقدم كان عليه سلاح أو لم يكن. وقال غيره: الذى يكمى شجاعته فى نفسه، أى يسترها. وقال ابن الأعرابى: الكمى: الشجاع، وسمى كمياً لأنه يتكمى الأقران لا يكع ولا يجبن عن قرنه، أى يقصد، وكل ما اعتمدته فقد تكميته، وأنشد:
بل لو شهدت الناس إذا تكموا ... بقدرٍ حم لهم وحموا
غمةٍ لو لم تفرج عموا
وحليلة الرجل: امرأته، وحليلته أيضاً: جارته التى تحاله وتنزل معه، قال الشاعر:
ولست بأطلس الثوبين يصبى ... حليلته إذا هجع النيام
وعرس الرجل: امرأته أيضاً، قال امرؤ القيس :
كذبت لقد أصبى على المرء عرسه ... وأمنع عرسى أن يزن بها الخالى
وهو أيضاً عرسها وهي حنته، قال كثير:
فقلت لها بل أنت حنة حوقل ... جرى بالفرى بينى وبينك طابن
والفرى جمع فرية، وقال الشاعر:
ما أنت بالحنة الودود ولا ... عندك خير يرجى لملتمس
وهي طلته أيضاً، قال الشاعر:
وإن امرأ فى الناس كنت ابن أمه ... تبدل منى طلةً لغبين
دعتك إلى هجرى فطاوعت أمرها ... فنفسك لا نفسى بذاك تهين
وقال الآخر:
ألا بكرت طلتى تعذل ... وأسماء فى قولها أعذل
تريد سليماك جمع التلا ... د والضيف يطلب ما يأكل
وربضه وربضه أيضاً، والربض: كل ما أويت إليه، قال الشاعر
جاء الشتاء ولما اتخذ ربضا ... يا ويح كفى من حفر القراميص
والقرموص: حفرة يحتفرها الصائد إلى صدره فيدخل فيها إذا اشتد عليه البرد، والقرموص أيضاً: مبيض القطاة. وقعيدة الرجل أيضاً: امرأته، قال الأسعر الجعفى
لكن قعيدة بيتا مجفوة ... بادٍ جناجن صدرها ولها غنى
وزوجه أيضاً؛ قال الأصمعى: ولا تكاد العرب تقول زوجته؛ وقال يعقوب: يقال: زوجته، وهى قليلة، قال الفرزدق:
وإن الذى يسعى ليفسد زوجتى ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وهيى بعله أيضاً أو بعلته، وأنشد الفراء
شر قرينٍ للكبير بعلته ... تولغ كلباً سؤرة أو تكفته
يعنى: أن امرأته تقدرته حين كبر، فإذا شرب لبنا وبقى سؤره - والسؤر بقية الشراب فى الإناء - تولغه كلبا أو تكفته، أى تقلبه على الأرض. وبيته أيضاً، قال الراجز
أقول إذ حوقلت أو دنوت ... وبعض حيقال الرجال الموت
مالى إذا أنزعها صأيت ... أكبر غيرنى أم بيت
وشهلته أيضاً، أنشدنى أبو بكر بن الأنبارى
له شهلة شابت وما مس جيبها ... ولا راحتيها الشئنتين عبير
والشهلة أيضاً: العجوز، قال الراجز
باتت تنزى دلوها تنزياً ... كما تنزى شهلة صبيا
وجثلته ومعزبته: امرأته. وقال غيره: وحوبته أيضاً. وقال أبو زيد: والحوبة: القرابة من قبل الأم، وكذلك كل ذى رحم محرم. قال يعقوب: الحوبة: الأم. والفصيلة: رهط الرجل الأدنون. وقال ابن الكلبى: الشعب أكثر من القبيلة ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ. وأسرة الرجل: رهطه الأدنون، وكذلك فصيلته. وقولها: أريده بازل عام، أى تام الشباب كامل القوة، لأن البعير أتم ما يكون شبابا وأكمله إذا كان بازل عام.
قال الأصمعى: إذا وضعت الناقة فولدها سليل قبل أن يعلم أذكر هو أم أثنى، فإذا علم، فإن كان ذكراً لهو سقب وأمة مسقب، وإن كانت أنثى فهى حائل وأمها أم حائل، قال الهذلى

فتلك التى لا يرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
وهي مؤنث، وقد آنثت، أى جاءت بأنثى، وقد أذكرت فهى مذكر إذا جاءت بذكرٍ، فإن كان من عادتها أن تضع الإناث فهى مئناث، وكذلك مذكار إذا كان من عادتها أن تضع الذكور، فإذا قوى ومشى مع أمه فهو راشح والأم مرشح، فإذا حمل فى سنامه شحما فهو مجذٍ ومكعر ثم هو ربع.
قال الأصمعى حدثنى عيسى بن عمر قال: سأتل جبر بن حبيب أخا امرأة العجّاج عن الهبع والربع، فقال: الرعب ما نتج فى أوّل النتاج، والهبع ما نتج فى آخر النتاج، فإذا مشى الهبع مع الربع أبطره ذرعاً فهبع بعنقه، أى استعان به؛ ثم هو حوارن فإذا فصل عن أمه - والفصال: الفطام - فهو فصيل والجمع فصلان وفصلان، ومنه الحديث: " لا رضاع بعد فصال " فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض وإنما سمى ابن مخاض لأن أمه لحقت بالمخاض، وهي الحوامل وإن لم تكن حاملاً؛ فإذا استكمل السنة الثانية ودخل فى الثالثة فهو ابن لبون والأنثى بنت لبون، وإنما سمى ابن لبون لأنه أمه كانت من الخاض فى السنة الثانية ثم وضعت فى الثالثة فصار لها لبن فهى لبون وهو ابن لبون فلا يزال كذلك حتى يستكمل الثالثة؛ فإذا دخل فى الرابعة فهو حينئذ حق والأنثى حقة، وإنما قيل لها حقة لأنها قد استحقت أن يحمل عليها وتركب، فإذا استكمل الرابعة ودخل فى الخامسة فهو جذع والأنثى جذعة، فإذا دخل فى السادسة فهو ثنى والأنثى ثنية؛ فإذا دخل فى السابعة فهو رباعٍ والأنثى رباعية؛ فإذا دخل فى الثامنة فهو سديس وسدس والأنثى سديسة، فإذا دخل فى التاسعة وبزل نابه فهو بازل، يقال: بزل ثابه بزولا، وشقأ نابه يشقأ شقوءاً وشقأً وشقى أيضاً، وشق يشق شقوقا، وفطر يفطر فطوراً، وبزغ وصبأ وعرد يعرد عرودا؛ فإذا دخل فى العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم بعد الإخلاف. ولكن يقال: بازل عامٍ وبازل عامين ومخلف عامٍ ومخلف عامين. وقضقض، أى حطم كما يقضقض الأسد الفريسة وهو أن يحطمها وينفضها فتسمع لعظامها صوتاً. والأسد القضقاض: الحطام، قال رؤبة:
ثم جاوزت منحيةٍ من حيةٍ نضناض ... وأسدٍ فى غيله قضقاض
ليثٍ على أقرانه رباض ... يلقى ذراعى كلكلٍ عرباض
والعرباض: الثقيل العظيم. ودسر: دفع، ومنه قول ابن عباس رضى الله عنهما فى العنبر: إنما هو شىء دسره البحر، أى لا زكاة فيه. قال: وقرأنا على أبى بكر بن دريد رحمه الله قول الشاعر:
فأصبحت من سلمى كذى الداء لم يجد ... طبيباً يداوى ما به فتطببا
فلما اشتفى مما به على طبه ... على نفسه من طول ما كان جربا
يقول: لما لم يجد اليها سبيلا داوى نفسه بالهجران، فلما رأى ذلك قد نفعه على الهجران، أى فعله ثانيةً.
وحدثنا الأخفش قال أنبأنى أبو الفياض بن أبى شراعة عن أبى شراعة قال: حدثنى عبدا لله ابن محمد بن بشير البصرى قال: علق أبى جارية لبعض الهاشميين فبعثت إليه أمى تعاتبع، فكتب إليها:
لا تتبعن لوعةً إثرى ولا هلعا ... ولا تقاسن بعدى الهم والجزعا
بل اثتسى تجدى إن ائتسيت أسى ... بمثل ما قد فجعت اليوم قد فجعا
ما تصنعين بعين عنك طامحةٍ ... إلى سواك وقلبٍ عنك قد نزعا
إن قلت قد كنت فى ود وتكرمة ... فقد صدقت ولكن ذاك قد منعا
وأي شىء من الدنيا سمعت به ... إلا إذا صار فى غاياته انقطعا
لم يبق عينا حسين عند لحظهما ... لغيرها فى فؤادى بعدها طمعا
ومن يطيق مدك عند صوبته ... ومن يقوم لمستور إذا خلعا
وأنشدنا الأخفش قال: قرأت على أبى العباس الأحول الأعرابى:
أيا منشر الموتى أقدنى من التى ... بها نهلت نفسى سقاماً وعلت
لقد بخلت حتى لو أنى سألتها ... قذى العين من ضاحى التراب لضنت
فما أم بو هالك بتنوفةٍ ... إذا ذكرته آخر الليل حنت
بأكثر منى لوعةً غير أننى ... أطامن أحشائى على ما أجنت
وقرأت على أبى بكر بن دريد رحمه الله:
أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا

وإذا الرياح مع العشى تناوحت ... نبهن حاسدةً وهجن غيورا
وأنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدى المعروف بنفطويه. وأنشدنا الأخفش أيضاً: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوى:
فلم أر هالكاً كبنى صريمٍ ... تلفهم التهائم والنجود
أجل جلالةً وأعز فقداً ... وأقضى للأمور وهم قعود
وأكثر ناشئاً مخراق حربٍ ... يعين على السيادة أو يسود
وأنشدنا إبراهيم أيضاً، قال أنشدنا أحمد بن يحيى:
وكنت مجاوراً لبنى سعيدٍ ... فأفقدنيهم ريب الزمان
فلما أن فقدت بنى سعيد ... فقدت الود إلا باللسان
وحدثنا أبو بكر بن دريد قال أخبرنى عمى عن أبيه عن ابن الكلبى قال: وفد علبة بن مسهر الحارثى والمنتشر أحد فوارس الأرباع الذين يقول لهم الأجدع الهمدانى:
وسألتنى بركائبى ورحالها ... ونسيت قتل فوارس الأرباع
إلى ذى فائش الملك الحميرى، وكان ذو فائش يحب اصطناع سادات العرب ويقرب مجالسهم ويقضى حوائجهم، وكان علبة شاعراً حدثاً ظريفاً، فقال له الملك: يا علبة، ألا تحدثنى عن أبيك وأعمامك وتصف لى أحوالهم؟ فقال: بلى أيها الملك، وهم أربعة: زياد ومالك وعمرو ومسهر. فأما زياد، فما استل سيفه مذ ملكت يده قائمة إلا أغمده فى جثمان بطل، أو شوامت جمل؛ وكان إذا حملق النجيد، وصلصل الحديد، وبلغت النفس الوريد، اعتصمت بحقويه الأبطال، اعتصام الوعول بذرى القلال، فذاد عنهم الأبطال، ذياد القروم عن الأشوال. وأما مالك، فكان عصمة الهوالك، إذا شبهت الإعجاز بالحوارك، يفرى الرعيل، فرى الأديم بالإزميل، ويخبط البهم، خبط الذئب نقاد الغنم. وأما عمرو، فكان إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وتفادت الكماه؛ خاض ظلام العجاج، وأطفأ نار الهياج، وألوى بالأعراج، وأردف كل طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، ثم قال لأصحابه: عليكم النهاب، والأموال الرغاب؛ عطاء لا ضنينٍ شكس، ولا حقلدٍ عكس. وأما مسهر، فكان الذعاف الممقر، والليث المخدر، يحيى الحرب ويسعر، ويبيح النهب فيكثر، ولا يحتجن ولا يستأثر؛ فقال له الملك: لله أبوك! مثلك فليصف أسرته.
قال أبو على: الحدث: الحسن الحديث، والحديث: الكثير الحديث، والحدث: الشاب؛ فإذا ذكروا السن قالوا: حديث السن ولم يقولوا: حدث السن، والحدث: الذى يتحدث إلى النساء، يقال: هو حدث نساء وزير نساء إذا كان يكثر زيارتهن، قال مهلهل
فلو نبش المقابر عن كليبٍ ... فيخبر بالذنائب أى وزير
أراد فيخبر بالذنائب أى زيرٍ أنا. وذلك أن كليباً كان يعيره فيقول: إنما أنت زير نساء. وهو تبع نساء إذا كان يتبعهن، وخلب نساء، أى يلصق بقلوبهن ويلح منهن محل الخلب، قال أبو زيد: الخلب: حجاب القلب، ومنه قيل: إنه لخلب نساء، أى يحبنه، وأنشد غيره
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحت منى كذراعٍ من عضد
ويقول أهل اليمن: هو خلم نساء، والخلم: الصديق وجمعه أخلام، وزادنى أبو عمرو عن أبى العباس عن ابن الأعرابى: وعجب نساء، أى يعجب النساء.
وقوله: فى جثمان بطلٍ، قال الأصمعى: الجثمان: الشخص، والجثمان: جماعة الجسم وهو التجاليد أيضاً، أنشدنا أبو بكر عن أبى حاتم عن الأصمعى
ينبى تجاليدى وأقتادها ... ناوٍ كرأس الفدن المؤيد
والأجلاد: التجاليد، قال الأسود بن يعفر
أما ترينى قد بليت وشفنى ... ما غيض من بصرى ومن أجلادى
يريد: ما نقص من بصرى ومن جسمى، ويقال لشخص الإنسان: الطلل والآل والسمامة، ويقال لأعلى شخصه: السماوة. والشبح والشبح جميعاً: الشخص، قال الشاعر يصف ظليما
هجوم عليها نفسه غير أنه ... متى يرم فى عينيه بالشبح ينهض
والشدف: الشخص وجمعه شدوف، قال ساعدة بن جؤية
موكل بشدوف الصوم ينظرها ... من المغارب مخطوف الحشا زرم
يصف ثورا. قال الأصمعى: الصوم: شجر يشبه الناس، فهو يرقبه يخشى أن يكون ناسا، ويقال: قامة الإنسان وقومية الإنسان، قال العجاج
صلب القناة سلهب القوميه

وقومته وقوامه، ويقال: هو قوام هذا الأمر بكسر القاف إذا كان يقوم به. والأمة: القامة وجمعها أمم. قال الأصمعى: وصف أعرابى رجلا فقال: إنه لحسن الوجه، حليف اللسان، طويل الأمة. والحليف: الحديد من كل شىء، يقال: لسان حليف وسنان حليف الغرب، قال الأعشى:
وإن ماوية الأكرمين ... حسان الوجوه وطوال الأمم
وقال أبو عبيدة: الطن: القامة. وقوله: أو شوامت جمل، فالشوامت: القوائم، يريد: أن يعقر الإبل للضيفان. وحملق: انقلب حملاقه، والحملاق: باطن الجفن، والنجيد: الشجاع، يقال: نجد الرجل ينجد نجدةً فهو نجيد، والنجد: الشجاع، وكذلك النجد، والنجدة: الشجاعة، هذا قول أبى نصر صاحب الأصمعى وتابعه على ذلك يعقوب فى بعض المواضع؛ ثم قال فى موضع آخر: النجد: السريع الإجابة إلى الداعى إذا دعاه إلى خير أو شر وهو النجد، ويقال: ما كان نجداً ولقد نجد ينجد نجادة وأنجدته إنجادا، فأما النجدة فالفزع فى أي وجه كان، وهذا قول أبى زيد، ويقال: استنجد فلان فلانا فأنجده، أى أعانه. وقال أبو عبيدة: نجدت الرجل أنجده غلبته وأنجدته: أعنته، والنجد: ما ارتفع من الأرض وبه سميت نجد لأنها ارتفعت عن تهامة، وسميت تهامة لأنها انخفضت عن نجد، فتهم ريحها، أى تغير يقال: تهم الدهن وتمه إذا تغير. والنجد: الطريق فى الجبل، والتنجيد: التزيين، يقال: نجدت البيت تنجيداً، قال ذو الرمة:
وحتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشى عبقر تجليل وتنجيد
والنجود: ما ينجد به البيت، واحدها نجد، والنجود من الحمر، ويقال: الطويلة. والنجاد: حمائل السيف، والإنجاد: الأخذ فى بلاد نجد، والنجد: العرق، يقال: نجد الرجل ينجد نجدا إذا عرق، قال النابغة:
يظل من خوفه الملاح معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد
والمنجود: المكروب، قال أبو زبيد:
صادياً يستغيث غير مغاثٍ ... ولقد كان عصره المنجود
وصلصل: صوت. والودريدان: حبلا العنق، والأشوال جمع شول وهى التى جفت ألبانها، وواحد الشول شائلة، فأما الشائل فالتى شالت بذنبها للقاح وجمعها شول. والرعيل: جماعة الخيل. والإزميل: الشفرة، قال عبدة بن الطيب:
عيهمة ينتحى فى الأرض منسمها ... كما انتحى فى أديم الصرف إزميل
العيهمة: التامة الخلق، ويقال: السريعة. وينتحى: يعتمد. والصرف: صبغ أحمر وقال الأصمعى: الصرف: صبغع يعل به الأديم فيحمر. والبهم واحدها بهمة: وهو الشجاع الذى لا يدرى من أين يؤتى له، ويقال: حائط مبهم إذا لم يكن فيه باب، والأبهم من كل شيء: المصمت الذى لا صدع فيه ولا خلط، والبهيم من الخيل الذى ليس به وضح.
والنقاد جمع نقدٍ وهى صغار الغنم، ويقال: نقد الضرس إذا ائتكل، ونقد الحافر إذا تقشر، وجافر نقد؛ ويقال: " النقد عند الجافرة " أى عند أول كلمة. وقال بعض اللغويين: كان الخيل أفضل ما يباع، فإذا اشترى الرجل الفرس قال له صاحبه: النقد عند الحافر، أى عند حافر الفرس فى موضعه قبل أن يزول؛ وقال الله تعالى: (أئنا لمردودون فى الحافرة) أى إلى خلقنا الأول، وأنشدنا ابن الأنبارى:
أحافرةً على صلعٍ وشيبٍ ... معاذ الله من سفهٍ وعار
أى أأرجع إلى الصبا بعدما شبت وصلعت.
وحدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال حدثنى عمى عن أبيه عن ابن الكلبى قال: قال لى أعرابى: ما معنى قول الله تعالى: (أثنا لمردودون فى الحافرة) فقلت: الخلق الأول، قال: فما معنى قوله تعالى: (عظماً نخرةً) قلت: التى تنخر فيها الريح، فقال: أما سمعت قول صاحبنا يوم القادسية:
أقدم أخانهم على الأساوره ... ولا تهولنك رجل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره ... حتى تعود بعدها فى الحافره
من بعدما صرت عظاماً ناخره
وعصب الريق إذا غلط ولصق بالفم ويبس، وأنشدنا أبو بكر بن دريد رحمه الله:
يصعب فاه الريق أي عصب ... عصب الجباب بشفاه الوطب
ويقال: تفادى القوم إذا استتر بعضهم ببعض، قال الحطيئة:
تفادى كماة الخيل من وقع رمحه ... تفادى خشاش الطير من وقع أجدل

والوى: أذهب. والأعراج جمع عرج وهي نحو خمسمائة من الإبل. والطفلة: الناعمة الرخصة، يقال: بنان طفل، والطفلة: الحديثة السن. والحقلد: السيىء الخلق، كذا قال يعقوب. والعكس والعكس بالسين والصاد: العسر الأخلاق. والذعاف: السم السريع القتل. والممقر عند بعضهم: الشديد المرارة، وعند بعضهم: الشديد الحموضة، والمقر: الصبر. ويحتجن يحتكر ويحفى، وأنشدنا أبو بكر بن دريد رحمه الله لأبى زبيد
لها صواهل فى صم السلام كما ... صاح القسيات فى أيدى الصياريف
كأنهم بأيدى القوم فى كبد ... طير تكشف عن جونٍ مزاحيف
وصف مساحى. والسلام: الحجارة. والصياريف: الصيارفة، ثم شبه المساحى فى أيدى الحفارين الذى يحفرون قبر عثمان - رضى الله عنه - بطير تطير عن إبل جونٍ مزاحيف. والجون: السود. والمزاحيف: المعيية، وإنما جعلها جوناً لأنهم حفروا له فى حرةٍ، فشبه الحرة بالإبل السود.
وحدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال: سألت عبد الرحمن يوما فقلت له: إن رأيت أن تنشدنى من أرق ما سمعته من عمك من أشعار العرب! فضحك وقال: والله لقد سألت عمى عن ذلك فقال: يا بنى، وما نصع برقيق أشعارهم؟ فو الله إنه ليقرح القلوب، ويحث على الصبابة، ثم أنشدنى للعلاء بن حذيفة الغنوى
يقولون من هذا الغريب بأرضنا ... أما والهدايا إننى لغريب
غريب دعاه الشوق واقتاده الهوى ... كما قيد عود بالزمام أديب
وماذا عليكم إن أطاف بأرضكم ... مطالب دينٍ أو نفته حروب
أمشى بأعطان المياه وابتغى ... قلائص منها صعبة وركوب
فقلت: أريد أحسن من هذا، فأنشدنى
لعمرى لئن كنتم على النأى والغنى ... بكم مثل ما بى إنكم لصديق
فما ذقت طعم النوم منذ هجرتكم ... ولا ساغ لى بين الجوانح ريق
إذا زفرات الحب صعدن فى الحشا ... كررن فلم يعلم لهن طريق
قال أبو على: يقرح: يجرح، قال (المتنخل) الهذلى
لا يسلمون قريحاً حل وسطهم ... يوم اللقاء ولا شوون من قرحوا
أى جرحوا، وقرأ أبو عمرو: (إن يمسسكم قرح) وقال: الفرح: الجراح، والقراح كأنه ألم الجراح. وأطاف: ألم. وأنشدنا أبو بكر رحمه الله قال أنشدنا عبد الرحمن عن عمه قال: أنشدتنى عشرقة المحاربية - وهى عجوز حيزبون زولة -
جريت مع العشاق فى حلبة الهوى ... ففقتهم سبقاً وجئت على رسلى
فما لبس العشاق من حلل الهوى ... ولا خلعوا إلا الثياب التى أبلى
ولا شربوا كأساً من الحب مرةً ... ولا حلوةً إلا شرابهم فضلى
قال أبو على: قال أبو بكر: التى فيها بقية من الشباب. والزولة: الظريفة، والزول: الظريف، وقوم أزوال، والزول أيضاً: الداهية، والزول: العجب، وقال لى غير أبى بكر: الحيزبون: العجوز ولم يحد لها وقتاً، وأنشدنى أبو المياس للقطامى
إلى حيزبونٍ توقد النار بعد ما ... تلفعت الظلماء من كل جانب
وأنشدنى أبو عمرو عن أبى العباس عن ابن الأعرابى
لقد علمت سمراء أن حديثها ... نجيع كما ماء السماء نجيع
إذا أمرتنى العاذلات بصرمها ... هفت كبد عما يقلن صديع
وكيف أطييع العاذلات وحبها ... يؤرقنى والعاذلات هجوع
قال أبو على: أنشدنى ابن الأعرابى البيتين الأولين وأنشدنا أبو بكر بالإسناد الذى تقدم عن الأصمعى عن عشرقة البيت الثاني والثالث، وأنشدنا الأخفش على ابن سليمان قال: أنشدنى إبراهيم ابن المدبر لنفسه
ما دمية من مرمرٍ صورت ... أو ظبية فى خمرٍ عاطف
أحسن منها يوم قالت لنا ... والدمع من مقلتها ذارف
لأنت احلى من لذيذ الكرى ... ومن أمانٍ ناله خائف
فأنشدته قول الآخر
الله يعلم والدنيا مولية ... والعيش متنقل والدهر ذو دول
لأنت عندى وإن ساءت ظنونك بى ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل
وأنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه، قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب:

أعلى ما ماء الفرات وبرده ... منى على ظمإ وفقد شراب
بألذ منك وإن نأيت وقلما ... يرعى النساء أمانة الغياب
وأنشدنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال أنشدنا أبو حاتم عن الأصمعى لأبى نخيلة:
أمسلم إنى يا بن كل خليفةٍ ... ويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمةً يقضى
وألقيت لما أن أتيتك زائراً ... على لحافا سابغ الطول والعرض
نوهت من ذكرى وما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وحدّثنا على بن سليمان الأخفش، قال أنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى، قال أنشدنى عبد الصمد بن العذل لمرّة:
تمارضت كى أشجى وما بك علة ... تريدين قتلى قد رضيت بذلك
لئت ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالك
وحدّثنا أبو بكر بن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن من عمه قال: قبل لكثير: مالك لا تقول الشعر، أبجلت؟ فقال: والله ما كان ذلك، ولكن فقدت الشباب فما أطرب، ورزئت عزة فما أنسب، ومات ابن ليلى فما أرغب؛ يعنى عبد العزيز بن مروان.
قال أبو على: قوله: أجبلت أى انطقعت عن قول الشعر، أخذه من قولهم: أجبل الحافر إذا انتهى إلى جبلٍ فلم يمكنه الحفر. وأنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنطفويه النجوى يوم الأحد فى سوق الثلاثاء على باب الكلواذانى صاحب ديوان السواد لكثير:
ألا تلك عزة قد أصبحت ... تقلب للهجر طرفاً غضيضا
تقول مرضنا فما عدتنا ... وكيف يعود مريض مريضا
وأنشدنا أبو بكر بن دريد - رحمه الله - عن عبد الرحمن عن عمه لأعرابى:
إذا وجدت أوار الحب فى كبدى ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هذا بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لحر على الأحشاء يتقد
وحدثنا أبو الحسن جحظة البرمكى عن حماد بن إسحاق الموصلىّ وحدثنا أبو بكر بن الأنبارى قال حدّثنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوى قال حدثنا حماد عن أبيه قال: دخلت يوما على الرشيد فقال لى: يا إسحاق أنشدنى شيئاً من شعرك، فأنشدته:
وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شىء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له فى العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يقال بخيل
فغنى رأيت البخل يزرى بأهله ... فأكرمت نفسى أن يقال بخيل
عطائى عطاء المكثرين نجملاً ... ومالى كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال: لا كيف إن شاء الله، يا فضل، أعطه مائة ألف درهم، ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها يا إسحاق، ما أتقن أصولها، وأحسن فصولها! - وزاد جحظة - وأقل فضولها، فقلت: كلامك يا أمير المؤمنين أحسن من شعرى، فقال: يا فضل، أعطه مائة ألف أخرى، فكان أول مال اعتقدته.
وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال أخبرنا عبد الرحمن من عمه قال: نظر أعرابى إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان فقال: والله لئن أثرتموه لتمسكن منه بذنابى عيشٍ أغبر.
وأنشدنا أبو بكر بن أبى الأزهر مستملى أبى العباس المبرد وحدثنا الأخفش وابن السراج وغير واحد من أصحاب المبرد قالوا كلهم: أنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الزيادى لأعرابى هذه الأبيات وكان يتحسنها:
ما لعينى كحلت بالسهاد ... ولجنبى نابياً عن وسادى
لا أذوق النوم إلا غراراً ... مثل حسو الطير ماء الثماد
ابتغى إصلاح سعدى بجهدى ... وهي تسعى جهدها فى فسادى
فتتاركنا على غير شىءٍ ... ربما أفسد طول التمادى
وقرأت على أبى بكر بن دريد رحمه الله تعالى
أقول لصاحبى والعيس تحدى ... بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريا روضه بعد القطار

وأهلك إذ يحل الحى نجدا ... وأنت على زمانك غير زارى
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار
وأنشدنا الأخفش للعطوى يرثى أخاه
لقد باكرته بالملام العواذل ... فما رقأت منه الدموع الهواطل
أيقنى جميل الصبر من هد ركنه ... وهيض جناحاه وجد الأنامل
أمن بعد ما ذاق المنية أحمد ... تطيب لنا الدنيا وتصفو المناهل
كأن لم يكن لى خير خل وصاحبٍ ... وخير خطيب تتقيه المقاول
كأن أبا العباس لم يلق ضيفه ... ببشرٍ ولم يرحل بجدواه راحل
وأنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب لابن أبى مرة المكى
إن وصفونى فناحل الجسد ... أو فتشونى فأبيض الكبد
أضعف وجدى وزاد فى سقمى ... أن لست أشكو الهوى إلى أحد
آه من الحب آه من كمدى ... إن لم أمت فى غدٍ فبعد غد
جعلت كفى على فؤادى من ... حر الهوى وانطويت فوق يدى
كأن قلبى إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدى أسد
بدى بحبل الهوى معلقة ... فإن قطعت الهوى قطعت يدى
وأنشدنى جمعة من أصحاب أبى العباس المبرد منهم ابن السراج وابن درستويه والأخفش قالوا: أنشدنا أبو العباس قال أنشدنا بعض البصريين، وأنشدنا أيضاً أبو بكر بن الأنبارى عن المظفر:
هل من جوى الفرقة من واقى ... أم هل لداء لحب من راقى
أم من يداوى زفرات الهوى ... إذ جلن فى مهجة مشتاق
يا كبدا أفنى الهوى جلها ... من بعد تلذيع وإحراق
حتى إذا نفسى ساعةً ... كرت يد البين على الباقى
قال أبو على: البيتان الأولان رواهما أبو بكر بن الأنبارى خاصةً، وشارك أصحاب أبى العباس فى رواية البيتين الأخرين، وأنشدنى أبو بكر بن دريد لأعرابى:
وإنى لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهى الصادى الشراب المبردا
علاقة حب لج فى زمن الصبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجددا
وأنشدنا أبو بكر بن دريد لنفسه:
لئن لا بك الوصب المؤلم ... ونفسك من صرفه تسلم
لئن نال جسمك نهك الضنى ... لقد ضنى السودد الأعظم
فحاشاك من سقمٍ عارضٍ ... ولكن أكبادنا تسقم
فأنت السماء التى ظلها ... إذا زال أعقبه الصيلم
وأنت الصباح الذى نوره ... بله يتجلى الحادث المظلم
وأنت الغمام الذى سببه ... ينأل الثراء به المعدم
يخاطب عنك لسان العلا ... إذا ذكر المفضل المنعم
فمن نال من كرمٍ رتبةً ... فيومك من دهره أكرم
إذا ما تخطاك صرف الردى ... فركن المكارم لا يهدم
فبالله أقسم رب الورى ... ولله غاية ما يقسم
لو أن السماء حمت قطرها ... لكن حيا سببه مثجم
قال أبو على: يقال: أنجمت السماء وأغبطت وألثت وألظت إذا دام مطرها ولم ينطقع؛ وفى الحديث: " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " أيى ألزموا هذه الدعوة؛ وأغضنت وأدجنت. فإذا أقلعت قيل: أنجمت وأفصت وأفصمت؛ ومنه أقصى الشاعر إذا انقطع عن قول الشعر، وأفصت الداجة إذا انقطع بيضها. ويقال: أصفت الدجاجة وأسفى فى الشعر، وهو من المقلوب.
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه عن أبى عمرو بن العلاء قال: رأيت باليمن غلاما من جرمٍ ينشد عنزا، فقلت: صفها يا غلام؛ قال: حسراء مقبلة، شعراء مدبرة، ما بين غثرة الدهسة، وقنوء الدبسة؛ سجحاء الخدين، خطلاء الأذنين، فشقاء الصورين؛ كأن زنمتيها تتوا قلنسية، يا لها أم عيال، وثمال مال.
قول ينشد: يطلب، والناشد: الطالب، يقال: نشدت الضالة، فأنا أنشدنا إذا طلبتها. وأنشدتها: عرفتها، فأنا منشد، وأنشدنى أو بكر بن دريد:
يصيخ للنبأة أسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد

وقوله: حسراء مقبلة، يعنى أنها قليلة شعر المقدم، قد انحسر شعرها، وشعراء مدبرة، يعنى أنها كثيرة شعر المؤخر. والغثرة: غبرة كدرة. والدهسة: لو كلون الدهاس، قال الأصمعى: والدهاس من الرمل: كل لين لا يبلغ أن يكون رملا وليس بتراب ولا طين، قال ذو الرمة يذكر فراخ النعام
جاءت من البيض زعراً لا لباس لها ... إلا الدهاس وأم برة وأب
وقال أبو زيد: الصدآء من المعز: السوداء المشربة حمرةً. والدهاء أقل منها حمرةً. والقنوء: شدة الحمرة: والعرب تقول: أحمر قانى، وقد قنا يقنأ قنواً، وأحمر ذريحى وأحمر باحرى وبحرانى وقاتم: أيى شديد الحمرة. وناصع، والناصع: الخالص من كل لون. ويانع وناكع بين النكعة. وقال ابن الأعرابى: ويقال: أحمر كالنكعة، وهو ثمر النقاوى وهو كالنبقة، وأنشد:
إليكم لا تكون لكن خلاة ... ولا نكع النقاوى إذ حالا
وقال أبو عبيدة: قال أعرابى يقال له أبو مرهب لآخر: قبح الله نكعة أنفك كأنها نكعة الطرثوث، يريد حمرة أنفه. ونكعة الطرثوث: رأسه، وهو نبت يشبه القثاء. وقال ابو عمرو الشيبانى: وأحمر نكع، وهو الذى يخالط حمرته سواد. وقال غيره: وأحمر سلغد، أى أشقر، وأحمر أسلغ وأحمر أقشر، وهو الشديد الحمرة الذى يتقشر وجهه وأنفه فى الحر، وأحمرعاتك وأحمر غضب، أي شديد الحمرة.
وحدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى قال حدثنى أبو عثمان قال أخبرنى أبو محمد عبد الله بن هارون التوزى قال أخبرنى أبو عبيدة قال: تزوّج رجل من بنى عامر بن صعصعة امرأةً من قومه، فخرج فى بعض أسفاره ثم قدم وقد ولدت امرأته وكان خلفها حاملاً، فنظر إلى ابنه فإذا هو أحمر غضب، أزب الحاجبين، قدعاها وانتضى السيف وأنشأ يقول:
لا تمشى راسى ولا تفلينى ... وحاذرى ذا الريق فى يمينى
واقتربى دونك أخبرينى ... ما شأنه أحمر كالهجين
خالف ألوان بنى الجون
فقالت تجيبه:
إن له من قبلى أجداداً ... بيض الوجوه كرماً أنجادا
ما ضرهم إن حضروا مجادا ... أو كافحوا يوم الوغى الأندادا
ألا يكون لونهم سوادا
وأمر أكلف، وهو الكدر الحمرة، وأحمر فقاعى، وهو الذى يخلط حمرته بياض، وأحمر فرق وكالقرف، وهو الأديم الأحمر، وأنشدنا اللحيانى:
أحمر كالقرف وأحوى أدعج
قال: ويقال: إنه لأحمر كالصربة، والصربة: الصمغة الحمراء وجمعها صرب؛ وأحمر كالمصعة، وهو ثمر العوسج، وأبيض يقق ولهق وصرح ولياح ولياح ووابص وحضى وقهب، وهو الذى يخالط بياضه حمرة وقهد أيضا. وأسود حانك وحالك وحلكوك ومحلنكك ومحلولك وسحكوك ومسحنكك، قال الراجز:
تضحك منى شيخة صحوك ... واستنوكت وللشباب نوك
وقد يشيب الشعر السحكوك
وحلبوب أيضا، قال الشاعر:
أما ترينى اليوم نضوا خالصاً ... أسود حلبوبا وكنت وابصا
والوابص: الذى بيص من شدة بياضه. وأسود فاحم: للشديد السواد، وهو مشتق من الفحم، ويحموم وحندس ودجوجى وخدارى وغدافى وغربيب ومدلهم وغيهم وغيهب. وأخضر ناضر وباقل ومدهام. واصفر فاقع وفقاعى، كما قالوا فى الأحمر: فقاعى ووارس وأرمك رادنى وأورق خطبانى إذا كان خالصاً. والأورق: الرماد، والورقة: لون الرماد، والأرمك، دون ذلك. والدبسة: حمرة يعلوها سواد، وقال أبوعبيدة: الدبسة: شقرة يعلوها سواد. وقوله: سجحاء الخدين، أى سهلة الخدين حسنتهما، ومن هذا قالوا: أسجح، أى أحسن، قال الشاعر:
معاوى إننا بشر أسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
أى أحسن وسهل. وخطلاء: طويلة الأذنين مضطربتهما، ومنه قبل لكلاب الصيد: خطل. وقوله: فشقاء، أيى منتشرة متباعدة. وقرأت على أبى بكر بن دريد لرؤبة:
فبات والنفس من الحرص الفشق ... فى الزرب لو يمضغ شرياً ما بصق
يقول: بات هذا الصائد فى الفترة، وهي الناموس والزرب أيضاً، وقد أبصر وحشا فانتشرت نفسه، فلو مضغ شربا ما بصق للا ينفر الوحش. والشرى: الحنظل. والصوران: القرنان، وأحدهما صور. وأنشدنا أبو بكر بن الأنبارى:
نحن نطحناهم غداة الغورين ... بالضابحات فى غبار النقعين
نطحا شديداً لا كنطح الصورين

والزنمتان: الهنيتان المتعلقتان ما بين لحيى العنز. والتتوان: ذؤابتا القلنسوة، وأحدهما تتوء. وفى القلنسوة لغات، يقال: قلنسوة وقلنسية وقلنساة وقلساة؛ وقال أحمد بن عبيد: وقليسية تصغير قلساة، قال: وجمع قلساةٍ قلاسى؛ وحكى عن الزبيدى: ما أعجب هذه القلاسى التى أراها على رءوسكم، وروى أبو عبيدة عن الأصمعى وأبى زيد: قليسية وجمعها قلاسٍ؛ وقرأت على أبى بكر بن الأنبارى فى " الغريب المصنف " قال أنشدنا أبو زيد:
إذا ما القلاسى والعمائم أخنست ... ففيهن عن صلع الرجال حسور
وقوله: ثمال مال، أى أصل مال، والثميلة: ما يبقى فى بطن البعير من العلف. وقيل لأعرابى: أشرب؛ فقال: إنى لا أشرب إلا على ثميلة.
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: مررت بحمى الربذة فإذا صبيان يتقامسون فى الماء وشاب جميل الوجه ملوح الجسم قاعد، فسلمت عليه، فرد على السلام وقال: من أين وضح الراكب؟ قلت: من الحمى، قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحا؛ قال: وأين كان مبيتك؟ قلت: أدنى هذه المشاقر، فألقى نفسه على ظهره وتنفس الصعداء، فقلت: نفسأ حجاب قلبه، وأنشأ يقول:
سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ماتروى به وتسيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه ... يحل به شخص على كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه ... لدى وإن شط المزار نعيم
ومن لا منى فيه حميم وصاحب ... فرد بغيظ صاحب وحميم
ثم سكت سكتة كالمغمى عليه، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء فصبيته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول:
إذا الصب الغريب رأى خشوعى ... وأنفاسى تزين بالخشوع
ولى عين أضر بها التفاتى ... إلى الأجراع مطلقة الدموع
إلى الخلوات تانس فيك نفسى ... كما أنس الوحيد إلى الجميع
قولهك يتقامسون: يتغاطون، يقال: فمسته فى الماء ومقلته وغمسته وغططته. وقال لى أبو بكر ابن دريد رحمه الله تعالى: المشاقر: منابت العرفج، وقال غيره: المشاقر: الرمال، وأحدها مشقر، وأنشدنى لذى الرمة:
كأن عرى المرجان منها تعلقت ... على أم خشف من ظباء المشاقر
وقوله: تفسأ حجاب قلبه، يقال: تفسأ الثوب وتهما إذا تشقق، وتهتأ إذا انشق من البلى، ويقال: تسلسل الثوب وأسمل وجرد وانجرد وأسحق وأنهج ومح وأمح وهمد: كله إذا أخلق. والسمل والجرد والسحق والنهج: الخلق، قال ذو الرمة:
قف العنس فى أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
وقال كثير:
فأسحق برداه ومح قميصه ... فأثوابه ليست لهن مضارج
وقال العجاج:
ما هاج أحزاناً وشجوا قد شجا ... من طللٍ كالأيحمى أنهجا
وقال الأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك بالياتٍ همدا
والحشيف: الخلق أيضاً، قال الهذلى:
أتيح لها أقيدر ذو حشيفٍ ... إذا سامت على الملقات ساما
وكذلك الدرس والدريس، قال المتنخل:
قد حال دون دريسيه مؤوبة ... نسع لها بعصاه الأرض تهزيز
مؤوبة: ريح جاءت مع الليل. ونسع ومسع: اسم من أسماء الشمال. والهدمل: الثوب الخلق، قال تأبط شراً:
نهضت إليها من جثومٍ كأنها ... عجوز عليها هدمل اذت خيعل
والهدم: الخلق، قال الكميت:
فأصبح باقى عيشنا وكأنه ... لواصفه هدم الخباء المرعبل
إذا حيص منه جانب راع جانب ... بفتقين يضحى فيهما المتظلل
والمرعبل: الممزق. وحيص: خيط. والطمر: الخلق.
وأنشدنا أبو بكر بن الأنبارى رحمه الله عن أبيه عن أحمد بن عبيد لشاعر قديم:
وعاذلةٍ هبت بليلٍ تلومنى ... ولم يغتمرنى قبل ذاك عذول
تقول اتئد لا يعدك الناس مملقاً ... وتزرى بمن يا بن الكرام تعول
فقلت أبت نفس على كريمة ... وطارق ليلٍ غير ذاك يقول
ألم تعلمى يا عمرك الله أننى ... كريم على حين الكرام قليل
وإنى لا أخرى إذا قيل مملق ... سخى وأخرى أن يقال بخيل

فلا تتبعى العين الغوية وانظرى ... إلى عنصر الأحساب أين يؤول
ولا تذهبن عيناك فى كل شرمحٍ ... له قصب جوف العظم أسيل
إذا كنت فى القوم الطوال فضلتهم ... بعارفةٍ حتى يقال طويل
ولا خير فى حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
وكائن رأينا من فروعٍ طويلة ... تموت إذا لم يحيهن أصول
فإن لا يكن جسمى طويلاً فإننى ... له بالفعال الصالحات وصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجه فجميل
قال أبو على: الشرمح: الطويل، وكذلك الشوقب. وقال أبو بكر بن الأنبارى رحمه الله تعالى: العارفة: النفس الصابرة. وأنشدنا بعض أصحابنا لعلى بن العباس الرومى:
وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يؤول مآل
ورأيته كالشمس إن هى لم تنل ... فضياؤها والرفق منه ينال
وأنشدنى أيضاً مثل هذا المعنى لسعيد بن حميد الكاتب:
أهاب واستحبى وأقرب وعده ... فلا هو يبدانى ولا أنا أسأل
هو الشمس مجراها بعدي وضوءها ... قريب وقلبى بالبعيد موكل
وحدثنا أبو بكر بن دريد الأزدى قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: رأيت بالبادية امرأة على راحلة لها تطوف حول قبر وهى تقول:
يا من بمقلته زها الدهر ... قد كان فيك تضاءل الأمر
زعموا قتلت وما لهم خبر ... كذبوا وقبرك ما لهم عذر
يا قبر سيدنا المجن سماحةً ... سلى الإله عليك يا قبر
ما ضر قبرا فيه شلوك ساكن ... ألا يمر بأرضه القطر
فلينبعن سماح جودك فى الثرى ... وليورقن بقربك الصخر
وإذا غضبت تصدعت فرقاً ... منك الجبال وخافك الذعر
وإذا رقدت فأنت منتبه ... وإذا انتبهت فوجهك البدر
والله لو بك لم أدع أحداً ... إلا قتلت لفاتنى الوتر
قال: فدنوت منها لأسألها عن أمرها فإذا هي ميتة.
وأنشدنا الأخفش قال: أحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن:
لله در ثقيفٍ أي منزلةٍ ... حلوا بها بين سهل الأرض والجبل
قوم تخير طيب العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همته ... أخبث بعيش على حل ومرتحل
وقرأت على أبى بكر بن دريد لبعض الأعراب:
سأشكر عمرا إن تراخت منبتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلت
فتى غي رمحجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
وأنشدنا الأخفش أيضاً قال أنشدنا بعض أصحابنا:
فما تزود مما كان يجمعه ... إلا جنوحاً غداة البين مع خرق
وغير نفحة أعوادٍ شبين له ... وقل ذلك من زادٍ لمنطلقٍ
لا تأسين على شيء فكل فتىً ... إلى منيته يستن فى نق
بأيما بلدةٍ تقدر منيته ... إلا يسارع إليها طائعاً يسق
وأنشدنى أبو بكر التاريخى للبحترى:
دنوت تواضعاً وبعدت قدراً ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس يبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منه والشعاع
وأنشدنى أبو بكر بن دريد - رحمه الله - لبعض الأعراب:
إنى حمدت بنى شيبان إذ خمدت ... نيران قومى وشبت فيهم النار
ومن تكرمهم فى المحل أنهم ... لا يعرف الجار فيهم أنه جار
حتى يكون عزيزاً من نفوسهم ... أو أن يبين جميعاً وهو مختار
كأنه صدع فى رأس شاهقةٍ ... من دونه لعتاق الطير أوكار
وأنشدنى أيضاً:
نزلت على آل المهلب شاتيا ... غريباً عن الأوطان فى زمن المحل
فما زال بى إكرامهم وافتقادهم ... وإلطافهم حتى حسبتهم أهلى
قال أبو على: ويروى: واقتفاؤهم، وهو الإيثار.

 


 

الكتاب : الأمالي
المؤلف : أبو علي القالي
مصدر الكتاب : موقع الوراق
http://www.alwarraq.com

 

جديد منتدى المعهد العربي

أقسام الموسوعة الأدبية الشاملة

إشترك الآن للحصول على النشرات الدورية


آخر المقالات

الأكثر قراءة