من تلاميذ شعر
أحمد شوقي
، الذين ساروا على دربه ، وتمثلوا أسلوبه ، واحتذوا طريقته ، وعدُّوه قدوة - عزيز أباظة ( 1898-1973 ) ، وأكثر ما عُرف به مسرحياته الشعرية التي حاكى فيها شوقيًّا ، وقال بعضهم : إنه فاقه في العناية بالتفاصيل المسرحية المتعلقة بالملابس وتعابير الوجوه والحالات النفسية ونحوها ، وقد نُشرت في ديوان ضخم من جزأين جاوزت صفحاتهما ألفًا وخمسمائة صفحة .
وعُرف أيضًا بديوان شعر رثى فيه زوجه سماه : " أنات حائرة " ، قرظه جمع من الأدباء . وأعجبني منه - فيما أعجبني - قصيدة قالها في المدينة المنورة ، وأولها قوله :
أتلك روابيها ، وتلك هضابها * وهذي القباب المشرفات قبابها ؟
نعم ، إنها مثوى الرسول وروضُه * تقدَّس واديها ، وطاب ترابها
وذكر عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجه وأنها طلبت منه أن يحج بها ، فواعدها موسم العام القابل ، فتوفيت قبل بلوغه ، وقال في ذلك :
ذكرت التي كانت تَمَنَّى لَوَ انها * تناهت إلى روض الرسول ركابُها
دعتني ، فلم أُطْلِبْ ، وثنَّت فلم أجب * فكان بكاء َالقانتات عتابُها
( لم أُطْلِبْ : لم أجب الطلب )
وقلت لها : في قابل ، فتهللت * فما إن دنا حتى دهانا ذهابها
وددت بعيني لو أجبت طلابها * وكان يسيرًا أن يُجاب طلابها
كان في لغته جزالة ، حتى قال طه حسين في تقديمه لهذا الديوان : " أجريتَ عواطفك في لفظ جزل ، وأسلوب فخم ، وعروبة توشك أن تقترب من البداوة أحيانًا " ، ولكنه حطه عن طبقة فحول الشعراء ، فوصف صُوَرَه الشعرية بأنها : " إن لم تبلغ من الروعة ما يبلغه فحول الشعراء ، فقد بلغت من السماحة والنفاذ إلى القلوب ما يبلغه الشعر الصادق " . وأما العقاد - وكان شاعرًا - فوصفه في مقدمة مسرحية ( قيس ولبنى ) بأنه : " باتفاق الْجِلَّة من العارفين شاعر من الطبقة الأولى في اللسان العربي ، ومؤلف من مؤلفي القصص التمثيلي المعدودين في هذا الزمان " ، ولا يغب عنك رأي العقاد في شعر شوقي ، وقد كان سيئ الرأي فيه ، ولا قلة ما كتبه العقاد من قصص ، وهو رواية واحدة ، حتى حكوا عنه أن الرواية كالخروب : قنطار حطب ، وأوقية حلاوة . وكان مما قاله العقاد هنا : إن هذه المسرحية - وله مثيلات لها كما عرفت - جلت حقيقة : " هي صلاح العربية الفصحى للمسرح الحديث ، واستطاعة النظارة من جميع الطبقات أن يفقهوا معناها ، ويُشرَبوا مزاجها ، وينتقلوا إلى جوها ، ويستجيبوا لعباراتها " .
ومهما يكن فكتابة الرواية أو المسرحية شعرًا ليس بالأمر الهين ، ولا يتهيأ إلا لمن اجتمع له الموهبتان والقدرتان . وعزيز أباظة قد أجمعوا على متانة نسجه ، وصفاء لفظه ، وجزالة أسلوبه ، وأنه أتقن هذا الفن القصصي وجوَّده ، وجاء فيه بما يُعجب ويُطرب .
وإني لأغري المعتنين بشأن العربية في هذه الأزمنة أن ينتفعوا بهذا المسرحيات ، ومسرحيات شوقي قبلها ، في إشراب العربية الصافية الحلوة المبينة للناشئة وعامة المتعلمين ، فتستقر في القلوب ، وتجري على الألسنة ، بما فيها من مواقف تبعث الشجن ، وقَصص يشد الخيال ، ووزن يروق السمع ، فلتُحفظ ، ولتمثل ، على خشبة المسرح ، أو شاشة التلفاز ، وقد مُثل كثير من هذه المسرحيات ، فوجدت آذانًا متذوقة ، وأعينًا مترقبة ، وجمهورًا يحضر ويتابع ، ويسمع ويستمتع .
* * *
ولد عزيز أباظة في قرية من قرى محافظة الشرقية في مصر ، وتوفي بالقاهرة . تخرج في مدرسة الحقوق ، وعمل في المحاماة ، ثم في القضاء ، ثم كان عضوًا في مجلس النواب ، واختير رئيسًا لمجلس إدارة مطبعة مصر ، وعضوًا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ، ومقررًا للجنة الشعر بعد وفاة العقاد ، وعضوًا بالمجمع اللغوي في القاهرة وبغداد .
ومن عجبٍ ما قرأته لوديع فلسطين في ترجمته يقول : " وكان لعزيز أباظة قصيدة مترعة الأبيات نظمها في الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا ، وألقاها بمحضره ، وسمعته ينشدها في المذياع في ذلك الوقت ، ولكنها أُسقطت من الديوان ، مع أن قيمتها الأدبية تعلو على أي قيمة سياسية فيها " .
* * *
هذا ، وأما الآن فإلى الشعر . وإنما أختار القطع المستقلة التي تشبه قصيدة شوقي في مسرحية مجنون ليلى :
جبلَ التوباد حياك الحيا
وسقى الله صبانا ورعى
وأما الحوار ففيه بدائع تطول ويضيق عنها المقام ، وأكتفي منه - إن شاء الله - بمثال واحد في الختام .
* * *
(1)
قال في مسرحية ( قيس ولبنى ) على لسان قيس - وعُقدةُ القصة تطليق قيس للبنى بعد أيام من زواجهما ، ثم ندمه عليه - :
يا صاحب الناي ماذا هجت في كبدي
من لاعج يترامى في حناياها ؟
هل كان نايُك يدري ما أكابده
من لوعةٍ ، فرواها ثم غنَّاها ؟
كنا على رَفْرَف الدنيا وأيكتها
تُظلنا نشوة الدنيا ونُعماها
والدار حالية الأعطاف جامعة
تُشع فيها السنا والسعدَ لبناها
أيامها تجمع الآمال مشرقة
وتحمل الرِّفْهَ مخضلاًّ عشاياها
حتى انتبهنا على نكباء ما تركت
من فرحة العمر إلا حَرَّ ذكراها
يا منية النفس ، ما نفسي بناجية
والنار في جنبات الصدر تغشاها
تبيت تُودِع سمعَ الليل عاطفة
مشبوبة ، وتبث الليل نجواها
رُدِّي عليَّ لياليَّ التي سلفت
لله ما كان أغلاها وأحلاها !
* * *
(2)
ومنها على لسان قيس أيضًا :
أطوف على أبيات لبنى تدُعُّني
إليها لُبانات الفؤاد الممزَّقِ
أعلل نفسي باللقاء ، فما أرى
سوى الندم اليقظان باليأس يلتقي
ملاعب من لبنى إذا ما لمحتها
تهالكتُ في طاغ من الوجد مطبق
تُذكِّرني أفناؤها وعراصها
بمبتسم طلق من العيش مونق
فما طعِمَتْ عيناي من بعدها الكرى
ومن يذقِ الأمر الذي ذقتُ يأرقِ
ويا دارَها ، بَيْني وبينك خطوةٌ
أراك ، ولكن كالسراب الملفَّق
فديتُكِ من عشٍّ رمى الدهرُ طيرَه
بسهمين من بثٍّ وبَيْنٍ مُفَرِّق
أمانيُّ من لبنى ، وما تنفع المنى ؟
إذا عرض المقدار دون التحقُّق
كأني بآمالي الغداةَ - مغرِّبٌ
أصوِّب في أعقاب ركبٍ مشرِّق
جنيتُ على نفسي ، فيا قلبيَ احترق
ويا كبدي ذوبي ، ويا عينِيَ اغرقي
* * *
(3)
وقال على لسان لبنى :
خَفَر الذِّمام وأعلنا * ورمى الضلوع فأثخنا
وعدا على قُدس الصِّبا والذكريات فأمعنا
ورمى الْجُحودَ على العهود فدكها ثم انثنى
أين الليالي الحاليات بحاجرٍ والمنحنى ؟
أيام نمرح بين أعطاف الصبابة والمنى
ونرى الدُّنا وكأنما خُلقت لتجمعنا الدُّنا
ويكاد لم يَسِلِ العقيقُ ولم يَرُق إلا لنا
يا قيس ، جُرْتَ ولم تكن - يا قيس - إلفًا محسنا
لو كنتُ أعلم أن حبك مُلبسي ثوبَ العنا
ومؤرقي ومعذبي هذا العذابَ البيِّنا
لنهيتُ قلبي أن يتيَّم في هواك ويُفتنا
ومنعتُ حبَّك - يا شقيق الروح - أن يتمكنا
يا قيس ، لم يهدأ هواك وبيننا ما بيننا
أواه ! قد سحب الفراق عليَّ أذيال الضنى
كل الشباب ممتعون بحبهم إلا أنا
* * *
(4)
وقال في مسرحية ( العباسة ) ، على لسان العباسة - وعُقدةُ القصة أن هارون الرشيد زوَّجَ أختَه العباسةَ جعفرًا البرمكي على ألا يكون بينهما ما يكون بين الأزواج - :
أراكَ فيستشري بي الشوق والجوى
وشوقُك للداني الْمُلِمِّ أليمُ
وتنأى فتطغى بي إليك نوازعٌ
وداءٌ بأحناء الضلوع قديم
جرى في دمي حُبِّيكَ مذ نحن طفلة
وطفل كمَوْشِيِّ الصباح وسيم
وسُقْتَ إليَّ الود وطفاءَ ثَرَّةً
وبعضُ مودات الرجال عقيم
أقيمُ على عهد الوداد حفيَّةً
به ، وعلى الود الصميم تقيم
وأسعدني أني من السقم والهوى
ضَنِيت ، فلم أُفزَع وأنت سليم
شواكل من وجد تصلَّيت نارَها
فكاتمتها ، إن المحب كتوم
إذا ما اشرأبت بين جنبي صبوة
تداعت لها نفس عليك رءوم
أدافَع لا أُطفي ظَمائي وغُلتي
ووِرْدك صافٍ والجوانح هيم
تصابرت عن حق البُعول وحاجها
ونهنهت عنها النفس وهي كظيم
وكنتَ أعفَّ الناس نجوى ونظرة
حفاظًا وبُقيا ، والكريم كريم
* * *
(5)
والآن لأُرِك كيف يبدع في الحوار ؟ ولأدلَّك على اجتماع فن الشعر وفن الحوار في القصص . واقرأ البيت مجتمعًا ليتضح لك وزنه ، لأنه يفرِّقه على المتحاورين ، والوزن الطويل . قال - وقد علم الرشيد بولادة العباسة لابن من جعفر ، فدعا زوجه زبيدة - :
الرشيد : تعالَيْ !
زبيدة : أمينَ الله ، مالك عابسًا
غضوبًا ، أمِنْ همِّ السياسة أم مِنِّي
الرشيد : تعالي فَنَبِّينِي اليقينَ وخبِّري
ولا تحبسي شيئًا
زبيدة : فما شئت فاسألني
الرشيد : نما لي حديث - يا زبيدة - مُفظِعٌ
فزلزل من لُبِّي ، وصدَّع من رُكني
أحق تخطى جعفر ستر خدرها
فإن كان فالتنكيل أهون ما يجني
زبيدة ( في تهوين ) : حسِبْنا الذي يضنيك همًّا مُبَرِّحًا
فلما بلوناهُ وجدناه لا يُضني
الرشيد : وكيف ؟
زبيدة : أما زوجتَها منه ؟!
الرشيد : إنني
فعلت ، ولكني نَهَيْتُ ، ولكني ..
ووكَّدت نهيي كَرَّةً بعد كرةٍ
أقول فأكْني ، أو أقول فلا أكني
زبيدة ( في تحريض ) : تُحرِّم ما قد حلَّل الله للورى
لكي يرثوا الدنيا ، وتهدم ما يَبْني ؟
إذا كنتَ تنهى أنت ، والله آمر
فمن منكما نُلْقِي له السمعَ ؟ خبِّرْني !
الرشيد ( في إصرار ) : عصوني
زبيدة : أطاعوا الله ، هارونُ
الرشيد : أمسكي
أتهزأ بي أختي ، ويختِلني خِدْني ؟!
غدًا سيقول الناس زوَّجتَ حرةً
قريشية من غير كفء ولا قِرْن
وإن خُدُور المجد من آل هاشم
أبيح حماها للأعاجم والْهُجْن
( يتقدم الرشيد خطوة لزبيدة ويقول لها في هدوء خطِر )
وقيل لها ابن !
زبيدة : هبْ ! فأي عجيبة
إذا ذات زوج نضَّرت عيشَها بابن
الرشيد : عجبت لذاك العقل لم يزَعِ الهوى
ولم يردعِ الإغراء عنها ولم يثن
زبيدة ( في خبث وتحريض ) : أتخشى ابنَها ؟ هارونُ !
الرشيد : رحماكِ ! فاصمتي
دعيني لأنواء تهوَّلْن في ذهني
زبيدة ( في تحريض أشد ) : حسبتُك تخشاه على الملك في غدٍ
إذا ضم سيفَ العُرْب والفرس في جَفن
الرشيد : عرضتِ لأمر لم يطُف لي بخاطر
زبيدة ( في خبث ) : ظننتك تعني ذاك
الرشيد : بل غيرَه أعني
تعمَّدَني بالبغي مُلكًا وحُرمة
فيا عدلَ جبار السموات سدِّدني
لمستُ بكفي إثمه واجتراءه
عليَّ ، ولم آخذ بملتبِس الظن
وإني لأخشى قالة السوء في غد
تَقاذفُ كالدُّفَّاع في البيد والْمُدْن
بأني مِنَ اجل العرض أثخنت فيهم
وللعرض قرَّاضون بالثلب والطعن
أشيري برأي في الملمات زلزلت
فُجاءتُها لبي ، كما ضعضعت متني
زبيدة : تريث أمينَ الله ، واجنح لرحمة
فلم يجنيا ذنبًا
الرشيد ( في استنكار ) : أساخرةٌ مني ؟!
زبيدة : معاذ رضاك السمح ظللتني به
فسوغني وِرد الهناءة والأمن
ولكنني أفضي إليك بما أرى
برغم الذي أطوي لجعفر من ضغن
ضممتَهما ذا شارة وقسامة
وخودًا يغار الحسنُ فيها من الحسن
وزوجته منها وأدنيته لها
على رفرف النعماء في ميعة السن
وما اجتمع الجنسان إلا انتشى الهوى
وعربد بين العين والفم والأذن
فلا تلم الإلفين ، فالله قد برى
قلوب البرايا من جموح ومن وهن
* * *
وحسبك ههنا هذا القدر من هذا النمط إغراءً وتشويقًا إلى هذا الفن المبدع ، وإلى هذه الصنعة المتقَنة ، وإلى هذا الكلام المرصوف ، لا يختل له وزن ، ولا تثقل فيه كلمة ، فيطلبه من يقدُره قدرَه ليُمتع وينفع .















