1 / لم يتأت لمحفل التلقي المغربي و العربي ، الانتباه إلى تردد شخصية العالم والفيلسوف « ابن رشد « في أكثر من منجز أدبي إبداعي للباحث المتأمل :» عبد الفتاح كيليطو»..و الأصل أن التردد ترميز تكون حمولته موضوعية ، ذاتية أو هما معا.(1)
لقد ترددت شخصية « ابن رشد» في الكتابات التالية:
ـ لسان آدم : « ترحيل ابن رشد»..( ص : 63/67)
ـ الأدب و الارتياب :» يوم في حياة ابن رشد « ( ص:59/ 63)
ـ من شرفة ابن رشد :» من شرفة ابن رشد « ( ص:57/73)
2/ بيد أن ما يمكن ملاحظته حول صيغة التردد ما يلي :
عبد الفتاح كيليطو
أ / التدرج : انبنت النصوص الثلاثة على التتابع الزمني من حيث التداول.بيد أن الملاحظ كون التتابع خضع للقصدية أو بانتفائها..فالنص الأول يرتهن للانتقال من مكان ( مدفن ) إلى ثان..و بقدر ارتباط الانتقال بالوجود ، يلتصق بالفكر الفلسفي و عودته إلى أصله وفق تأويل « كيليطو»..
و أما الثاني ، فينتج وعيا بالزمن..فالحديث عن يوم ، رصد لتفاصيل من / عن حياة « ابن رشد» بشكل مكثف مختزل مؤداه تخييل صورة للحياة كما عاشها الفيلسوف..
و في النص الثالث يحق الحديث عن تناظر ، تماثل بين حياتين : حياة العالم الفيلسوف « ابن رشد « ، و الأديب « عبد الفتاح كيليطو « كما يؤثر أن يلقب..
ب / و عي الكتابة : إذا تأملنا آثار» عبد الفتاح كيليطو» ، نجد بأن بقية مؤلفاته خلت من تمثل صورة « ابن رشد « في نص مفرد مستقل :
الأدب و الغرابة ( 1982) - الكتابة و التناسخ ( 1985) - الغائب ( 1987) - الحكاية و التأويل ( 1988)- المقامات ( 1993 ) - العين و الإبرة ( 1995).. على أن الإبدال الفكري، التطرق إلى « ابن خلدون» ، « الهمذاني « ،» المعري»،»
الجاحظ
» دون الغفل عن السياق الزمني للنشر و التداول..بمعنى أن تردد « ابن رشد» في آثار « كيليطو» ، تجربة موعى بإنتاجيتها و قصديتها..فمن خلال التدرج يتأتى الحديث عما يمثل: 1 ـ كتابة سيرة غيرية : إن» عبد الفتاح كيليطو» و هو يسهم في بناء حياة « ابن رشد» يقوم بتأليف يرتهن إلى كتابة وسط..كتابة لا تعد نقدية تماما ، و لا أدبية صرفا..إنها تمتاح بذكاء من الحقلين..و يمكن تصنيف منجز « كيليطو» في هذا الإطار..و مثلما يبنى النص و صيغته ، يبنى القارئ المطالب بتلق جديد لمعلومات قديمة ، و بخاصة في : « ترحيل ابن رشد « و « يوم في حياة ابن رشد»..
2 ـ كتابة ذاتية : إن اختيار « ابن رشد « ، تبني لتوجه فكري فلسفي..إنه توجه التنوير والعقلانية.هذا المسار يناظر و يماثل توجه « عبد الفتاح كيليطو» و اختياراته.فالاحتفاء بالتراث القديم قراءة ، و تقديمه وفق صيغة حديثة ، تجربة وعي نقدي جديد و متجدد.. ف « كيليطو» من خلال هذا ، يقدم اهتماما يقول غيره ، دون نفي ذاته.إنها سيرة الغير والذات كما تفهمها الذات ، تفسرها و تؤولها..
ج / الشمولية : يمكن القول بأن النص الثالث « من شرفة ابن رشد « ، أوفى شمولية من سابقيه..من حيث الكم فهو الأطول ، و حتى ضمن الأبحاث المشكلة لبنية تأليف الكتاب.. من جانب آخر، فتدرجه يجلو بروز الذات بشكل مستقل / مندمج..مستقل للمسافة التي بين الذات و الحدث..و مندمج لحضور» ع.ك» كفاعل مشارك في توسيع الحدث و إنتاج المعنى..و هو ما يخلق غموضا ، التباسا على مستوى التلقي و الإدراك..إضافة للسابق فإن « من شرفة ابن رشد» يمثل النص الأخير ضمن الكتاب ، إلى كونه العنوان الشمولي للمؤلف..
ح / المؤلف المفرد : إن التساؤل الذي تثيره النصوص الثلاثة يتعلق بالمحتمل..فإذا كان « عبد الفتاح كيليطو» بوعي أو انتفاء ، أقدم على نصوص أفردت لشخصية « ابن رشد « فلم لم يقدم على ضمها لتشكل تأليفا مفردا عن العالم و الفيلسوف « ابن رشد»؟ قد يكون التوسيع يفرض ـ و هو حال أية كتابة ـ بحثا و مرجعية ، و كلاهما يتوافر في مسار تجربة « عبد الفتاح كيليطو» ، و لئن كان الإنجاز يقتضي ظرفا..
أعتقد بأن الضم و التوسيع يفسحان لتشكل رؤية عن عالم المفكر و الفيلسوف غير مألوفة و لا معتادة..لذلك أرى إلى أن التفريق ليس سوى خطوة للملمة و الضم ، لحصيلة شبه نهائية قراءة و تأليفا..
إن التقديم المعتمد، يطرح تبريرات في محاولة للفهم و التفسير و التأويل..إلا أنها لا تخلو من تساؤلات ترتبط بالمتوقع في ضوء كونه يجلو بياضات على المتلقي سد ثقوبها..
ابن رشد : الموت و الحياة
1 / يثير العنوان أكثر من تساؤل : ألم يكن الأولى القول:ابن رشد من الحياة إلى الموت؟ إذا سلمنا بفعالية التساؤل و جدواه ، فإن الوضع الاعتباري لشخصية ابن رشد لن يكون إلا عاديا..بمعنى أن شخصيته كالبقية ، بلا فرادة و تميز ، لها حياة يعقبها موت..إلا أن التصور المحمول : من الموت إلى الحياة ، يكسر الإدراك المتداول..فالموت نهاية الكائن لولا أن ما بعده حياة ثانية يسمها و يطبعها البعد الرمزي لشخصية سائدة لن يتوقف الحديث عنها و الاحتفاء بآثارها..
2 / إن جملة الختم في النص الأول « ترحيل ابن رشد» ، تحمل أكثر من دلالة ومعنى إلى كونها تختزل النص بكامله..و أعتقد بأنها مفتاح أساس لتلقي النص ، حيث يمكن إيرادها في مطلعه دونما تغيير يذكر..
تقول الجملة الإسمية : « دفن ابن رشد لم ينته بعد.»(ص/67)..و يمكن إعادة صوغها على النمط التالي :» لم ينته دفن ابن رشد بعد»..فالنفي في الجملة له طبيعة الامتداد.. أي أننا أمام دفنين: دفن حقيقي في « موت ابن رشد»..و دفن مجازي يعكس مواجهة ورفض الحمولة الفكرية و المعرفية لا بن رشد ، و التي ( قد ) تستمر في واقعنا الحضاري قياسا و حضارات أخر..3 / يحق تلقي « ترحيل ابن رشد « باعتماد التقطيع التالي :
أ ـ التأطير: يستوقفنا ضمنه تحديد زمني ( مارس/1199) ، و مكاني : من مراكش إلى قرطبة..فالزمني ثابت ، فيما المكاني متحرك:من عاصمة ـ إذا جاز ـ ( مراكش) إلى ثانية ( قرطبة )..على أن الحدث يتمثل في نقل جثة العالم و الفيلسوف ابن رشد من مدفن مراكش ، إلى قرطبة حيث ولد..و اللافت أن التأطير الوارد في التقديم يتسم بأدبيته المتجسدة في مظهره السردي إلى بلاغة تكثيفه..
ب ـ التعليق : يرتبط التعليق بالتأطير..و يحق اختصاره في : من المجد إلى المحنة.ذلك أن كيفية نقل الجثة ، مبعث التعليق..فلقد وضعت في جانب من الدابة ، وفي الثاني التواليف ( التآليف) ..هذه الصورة أثارت انتباه ثلاثة أطراف:
1 / أبو الحكم عمرو السراج الناسخ..
2 / ابن جبير..
3 / ابن عربي..
فالطرف الأول أبو الحكم ، لفت نظر ابن جبير و ابن عربي إلى وضعية الجثة و التواليف ( التآليف)..بينما أشاد الثاني ، و كأنه انتقل من وضع مواجه وفق ما دل عليه شعره :
« يا ظالما نفسه تأمل هل تجد اليوم من توالف؟»
إلى متأثر لمآل ابن رشد ، الذي قد يكون مصيره.و أما ابن عربي فتكفل بالتقييد والتدوين : « موعظة « و « تذكرة»..
فالتعليق يحيل على متلق أول للحالة أو الوضعية.. و أما التفسير و التأويل ، فيضعنا في سياق « عبد الفتاح كيليطو» مؤلف « ترحيل ابن رشد»..
4 / التفسير و التأويل : إن ما يترتب عن السابق التفسير و التأويل..تم ينتقل النص من السياقين الأدبي الإبداعي ، إلى الفكري الموضوعي ، حيث نقف على فكرتين:فكرة أساس متعلقة بالترحيل و تنتج معناه ، و ثانية تبدو شبه مقحمة ، و يتم الرجوع إليها في النصين « يوم في حياة ابن رشد « و« من شرفة ابن رشد»..
تجسد الفكرة الأولى ، نتائج ترحيل الجثة..هنا نصل إلى ذكاء التأويل و قوته..فالترحيل انتقال للفلسفة من المتوسط ، نحو الشمال، إلى أمة الفلاسفة..و كأن المتوسط يتخلص من التفكير الفلسفي ، في مقابل شمال يستقبل الرشدية و يمنحها كينونتها ، ليشكل الترحيل هوة بين حضارتين و تفكيرين : تفكير يرفض و يواجه ، و تفكير يستقبل و يتفاعل و يطور ويتسامح..« و هكذا فإن كتب الفلسفة قد جرى التخلص منها نحو الأندلس مثل شيء غير مفيد ، وثقل لا جدوى منه ، مزعج ، لا يصلح سوى لمعادلة تابوت..» ( النص الأول) (2)
تستدعي فكرة الرحلة و الترحيل ، مفردة ثانية تتعلق بالهجرة و التهجير..هنا نتمثل نص: « هجرتان» للمفكر وأستاذ الفلسفة « علي أومليل»..فمفهوم الهجرة في النص، ارتحال فكري رمزي ، من وضع يبدو ـ حسب التصور ـ قلقا متوترا ، نحو الحلم بآخر أفضل. فالهجرة الأولى ترتبط ب» سيد قطب» ، و دعوته إلى « زمان جيل الإسلام الأول» ، حيث كفاية الإسلام بذاته..و الثانية ب «
طه حسين
« ، حيث الترحال إلى « اليونان» ، أصل تكون الحضارة الأوروبية الحديثة..يقول « أومليل :« هجرة
طه حسين
، و هجرة قطب ، كلتاهما هجرة معكوسة بالقياس إلى المعنى العادي للهجرة.ذلك أن الهجرة العادية انتقال من موطن إلى مغترب..المهاجر يحمل معه موطنه كوجدان و كاختلاف ، كتوتر بين هويتين :
هوية الأصل و هوية مجتمع المهجر ، و ينتهي التوتر إلى ما ينتهي إليه بحسب الأحوال ، و يستمر حنين المهاجر إلى أصله المجتمعي المفقود..
أما الهجرة الفكرية للمثقف الرافض فهي هجرة معكوسة..في هذه الحال « الأصل» الذي يتعلق به المثقف موجودا خارج مجتمعه..» الأصل» عند الداعية الإسلامية هو « الإسلام الأول» ،إسلام معياري و مثالي ، مختلف بل متناقض للإسلام كما صنعه مجتمع الناس..و « الأصل « عند داعية الحداثة الليبرالية هو « الأصل» الذي رست عليه الحضارة الحديثة..»( 3)
إن ما يربط بين « ترحيل ابن رشد» و « هجرتان» :
1 / فكرة الرحيل و الهجرة ، فإن لم تكن واقعية ، فرمزية فكرية..
2 / إن ما تعنيه الفكرة ، شخص المثقف مهما تنوعت اهتماماته..
3 / الرغبة في إبقاء الراهن على صورته الثابتة ، بعيدا عن التغيير..
إن انتقال الرشدية من المتوسط إلى ما عد موطنها ، لا يدل ـ أساسا ـ عن نهضة مطبوعة بالشمولية و التكامل ، و إنما عن نسبية في نوعية التفكير و مستواه.فالروائي « ماريو بارغاس يوسا « في دراسة رائدة عن أدب « خورخي لويس بورخيس» و نثره ألمح بإشراق فائق ، إلى أن مفكري أمريكا اللاتينية يخوضون كتابة الفلسفة ، وفق الصيغة الملتصقة بالحسي لا المنطقي ، و كأنهم ينتجون أدبا..يقول : « ..و بالنسبة إلينا ، تشكل الأفكار و يقبض عليها بشكل أفضل
حين تكتنز بالعاطفة ، و الإحساس أو حين تدمج بطريقة ما بالواقع المحسوس ، الحياة ، أكثر مما هي في الخطاب المنطقي..و ربما لهذا السبب نمتلك أدبا غنيا و ندرة في الفلاسفة فهم عادة يكتبون أدبا.,»( 4)
أعتقد بأن الأولى في نص الترحيل ، الاكتفاء بفكرته ، إذا ما ألمحت لكون الوقوع في خطأ الترجمة سيرد بشكل مستقل في النص الثاني ، مثلما يشار إليه في الثالث..
مراجع معتمدة
1 ـ يراجع الحوار المهم مع « عبد الفتاح كيليطو» و أجري مع مجلة « البيت « و تصدر عن « بيت الشعر بالمغرب»..
2 ـ يقول الشاعر» أبو البقاء الرندي « في « نونيته» :
« و أين قرطبة دار العلوم فكم من عالم قد سما فيها له شان «
3 ـ كتاب « النهضة و التراكم ( مؤلف جماعي)..ينظر بحث الدكتور»علي أومليل»: « هجرتان»..دار توبقال.الدارالبيضاء.ص : 97.
4 - « ذاكرة شكسبير»..قصص.ترجمة « مها رفعت عطفة».دار الطليعة الجديدة.سوريا. ص:15..انظر مقدمة الروائي « ماريو بارغاس يوسا»..
صدوق نورالدين
العلم الثقافي السبت 3 أبريل 2010















