السقاف والقصيبي ووطار.. الريادة التي فقدناها ! شهد هذا العام غيابات متلاحقة لعدد كبير من المفكرين والأدباء العرب، وكأنه كان على موعد مع رحيل من نسميهم بالرواد، والذين تجاوز تأثيرهم حدود مجالاتهم الخاصة صانعين حالة ثقافية، ومؤسسين لتيارات فكرية ومنجزين أشكالا من النشاط والحراك لانزال نعيش على ما تبقى منها.
في هذا الإطار تأتي الندوة التي أقيمت بالمقهى الثقافي بمعرض الكويت للكتاب أمس الأول تحت عنوان «مبدعون فقدناهم» لتتناول جوانب من أعمال ثلاثة من الراحلين هم الشاعر والأديب الكويتي أحمد السقاف، والشاعر والروائي السعودي غازي القصيبي والروائي الجزائري الطاهر وطار، حيث تناول الدكتور عبد الله القتم ، أستاذ مشارك الأدب العربي في جامعة الكويت، موضوع «العروبة في شعر أحمد السقاف»، بينما تعرض الدكتور معجب الزهراني، أستاذ النقد الأدبي بجامعة الملك سعود، للمقارنة بين القصيبي والوطار من جهة إنجازهما الروائي، وعلاقته بآرائهما الشخصية خارج نطاق إبداعهما. وقدم للندوة الدكتور أيمن بكر أستاذ النقد الأدبي في جامعة الخليج.
عروبة السقاف
في البداية قدم د.القتم لمحة سريعة عن حياة السقاف، مشيدا بتعدد جوانب اهتماماته، فهو الصحافي والشاعر والأديب والباحث، إضافة إلى عمله التربوي والدبلوماسي. وقال القتم إن السقاف نظم الشعر في أكثر من موضوع، لكن موضوع العروبة هو ما يميزه، ومن ثمّ فكرة العروبة في شعر السقاف من خلال محاور أربعة: العروبة كما تتمثل مكانيا في الوطن، والعروبة من حيث هي مجموعة قيم ومبادئ، والعروبة كحافز للنهضة، وأخيرا شعر الدفاع عن العروبة. وقرأ القتم نماذج من شعر السقاف تدور في فلك تلك المحاور، مؤكدا ثبات المبدأ العروبي لدى السقاف، حتى بعد انحراف الكثيرين عنه.
لكنه أشار بالمثل إلى الصدمة الكبيرة التي أصابته بعد غزو العراق. وما كتبه السقاف من قصائد تعبر عن هذه الصدمة، إحداها كانت موجهة للغاصب الذي خان الجوار، وأهدر قيم العروبة.
ريادة روائية
من جهته، تعرض الدكتور معجب الزهراني لأوجه التشابه والاختلاف بين الروائيين غازي القصيبي والطاهر وطار. حيث أشار في البداية إلى أن ثمة جامعا4 بين الاثنين هو كونهما خرجا من مكانين بعيدين عن مركز بلديهما. واتسمت بيئتاهما بملامح مشتركة تضم عناصر دينية متشددة، ومواقف جعلت للكتابة معنى لديهما. ويرى الزهراني أن ثمة تشابها بين رؤية الكاتبين في تناولهما لقضايا الظلم والاستعمار والرقابة، وذلك عبر استقراء حواراتهما والشهادات التي سجلاها.
كذلك لفت الزهراني إلى الدور الريادي الذي لعبه كل منهما في إرساء الفن الروائي، فكما مثلت «اللاز» للطاهر وطار منطلقا للرواية الجزائرية، كذلك مثلت رواية «العصفورية» للقصيبي انطلاقة الرواية السعودية الفعلية.
ومن حيث التجربة، رصد الزهراني محاور ثلاثة يمكن من خلالها المقارنة بين القصيبي ووطار. فقد اشترك الاثنان في الاتكاء على ثيمة الجنون، لكن الجنون في سرد وطار يأتي كخاتمة تجعلنا نعيد صياغة وتفسير العالم الروائي مجددا، بينما يكون الجنون في سرد القصيبي، كما في «العصفورية»، قناعا يتيح حرية التعبير من دون خوف.
لكن البيئة المكانية للسرد الروائي لدى القصيبي ووطار تبدو مختلفة، فروايات القصيبي تدور، كما لاحظ الزهراني، خارج المملكة في عواصم عربية أو أوروبية أو في مكان مغلق مثل «العصفورية»، وفسر الزهراني هذه الظاهرة استنادا إلى أسفار القصيبي الكثيرة، واحتمال أن تكون «تعمية» المكان مقصودة حتى لا يقع تحت طائلة المساءلة من بعض التيارات. أما روايات الطاهر وطار فتدور أحداثها جميعا في الجزائر.
الملمح الأخير الذي أشار إليه الزهراني هو تعاطي الروائيين مع التراث، وانشغالهما بتوظيفه روائيا، فهما يستحضران بابلو نيرودا أو
المتنبي
أو الشنفرى كل وفق منطقه وأسلوبه. ومن ثم فإن التراث الثقافي، والعربي منه على وجه الخصوص، كان ماثلا في منجزهما السردي.















