حين خيّمت ظِلال الحرب العالمية الأولى القاتمة على أنحاء الجزيرة العربية، ودنت القوات العربية من أسوار المدينة المنورة، تسامع الخلق وقع حوافر خيولها، وهدير آلتها الغاشمة، وخشي فخري باشا، الحاكم الإداري العثماني بالمدينة،
على أهلها من عاقبة الجوع والمرض، فأمر بتهجير أهلها، تحسباً لحِصارٍ سميك بات قاب قوسين وأدنى من فرض واقعه الكئيب؛ يلفّ سورها ويوصد بواباتها ويستنفر قلاعها ويبعثر مصيرها إلى المجهول. حصارٌ فرضه، فيما بعد، جيش الشريف عبدالله بن حسين، بمعاونة من ضابط قوى الحلفاء لورانس، الذي شلّ حركة القطار بقيادته لعمليات التخريب، كان ينتخي في مذكراته (أعمدة الحكمة السبعة)، فيما بعد، إلى أنه هو من علّم العُربان طريقة استخدام الديناميت لتفجير أطراف السكة الحديد.
هجّر فخري باشا، أهالي المدينة عن بكرة أبيهم، في حدود عام 1915.. أشخصهم أفواجاً على (بابور/ قطار) الحجاز، صوب مدن الشام (دمشق، ثم حلب، وحماة)، فيما آثر الميسور منهم الرحيل إلى حيث تربطهم صِلات تجارة وأملاك، إلى مدن تركيا (أضنة وإسطنبول). في (السفربرلك) نزَحَ الآلاف من العوائل، ولم يتخلف في المدينة سوى بضع مِئات من الأهلين، بقوا إلى جانب حاشية فخري باشا، وأركان حربه وكبار ضباطه، وجنود الحامية التركية، ناهيك عن بعض كبار موظفي الحرم الذين آثروا الاعتصام بالحرم النبوي.. حتى خلت محلاّت المدينة وساحاتها وأزقتها من أي نشاط أو حركة أو عمران، استبدّ بمظاهرها الخواء والسكون والخراب. كان من آثر البقاء بالمدينة طيلة الحصار الذي امتد لأربع أعوام، إما قد قضِي ومات جوعاً وهزالاً، حيث كانت تتناثر الجثث طيلة أيام الحصار في زقاق الطُّوال، وحوش الجمال، وزقاق الحبس، أو اضطر أن يأكل الكِلاب والقطط، والجِيفَ من الخيل والحمير، بل -وبعض الجياع- قد أتوا على لحوم أطفالهم وأكلوها!
في سنوات "السفربرلك" أو النزوح الكبير، واجَه "المَداينة" المُهجَّرون من ديارهم أشد أهوال الجوع وأفتك أنواع الأوبئة التي حصدت أرواح الآلاف منهم، ألقت بهم على قارعة الأزقة والطرقات وأرصفة الشوارع، وحصدتهم في محصلةِ النسيان.. وحين عاد الناجي منهم، بعيد اتفاق التسليم الذي جرَى في "بئر درويش" في العاشر من شهر يناير عام 1919، عادوا مُثخنين بأبشع وأعمق الجِراح وأمرّ ذكريات الفقد والفجيعة، حيث أريقت كراماتهم، وفقدوا أغلى أحبابهم.
في مُذكراته، (حياتي مع الجوع والحب والحرب)، يرصد الأديب السعودي عزيز ضياء، فصول ذكرياته منذ لحظة انخراط عائلته، في (السفربرلك)، وانتقالهم إلى حماة، حيث سكنوا أولاً عند بيت (الصابوني)، قبل أن يستقلوا في بيت خاص على نهر العاصي، ما لبثوا فيه حتى انتقلوا إلى حلب، حيث سكنوا مؤقتا في بيت (الكيخيا)، ثم إلى جانب القلعة في بيت تملكه سيدة اسمها لطفت باجي.
كان الشاب (عزيز) يروي كيف نجا من ويلات الحرب العالمية، وكيف تسلّحت عائلته بإرادة من حديد حتى بعد تعرض منزلهم ومقتنياتهم الثمينة إلى السرقة من لصوص آخر الليل في حماة.. بل ونجاته من جائحة "التيفوس" التي ضربت أنحاء الشام.
لقد شهِد (عزيز) تساقط أفراد عائلته فرداً فرداً، نعاهم كلهم في منفاه؛ حيث توفيت خالته خديجة أولاً، وزوجها عبدالغني، وابنهما عبدالمعين. وقبلهم رحل شقيقه عبدالغفور، ولحقهم جدِّه الشيخ الكهل أحمد صفا. وقبلهم جميعاً، والده الشيخ زاهد مُراد، الذي رحل إلى روسيا لجلب إمدادات للحرب وتوفي بها. هكذا لم يبق سوى هو ووالدته. كان (عزيز) يدّون، في أدب إنسانّي رفيع، نكبة وعذابات أسرة كاملة قضى أفرادها بين آلة حرب ضروس، وبين شوطة "التيفوس". أسرة كاملة مزقتها النزاعات والحروب والمجاعات وتلطخت عذاباتها بلوعات الفقد والشتات.
كان (عزيز) يروي مأساة عظيمة، كادت تدخل تفاصيلها في طيات المنسي، لولا شهادته الثرية التي ستحفظها الذاكرة من النسيان. وبقدر ما كان يدّون عذابات ومرارات الحروب، ويستعلن لوعات الهجرة والنزوح والغربة عن الأوطان، كان يسجّل قصة إباء الأهالي، وصلابة إراداتهم، وصِدق ارتباطهم بوطنهم.
كان المُهجرّون، كلما طالت غُربتهم، يشتّد حنينهم للعودة إلى الوطن، إلى حد الهوس، حتى كان صوت "الناعورة" في الليل، يُذكرهم بـ"السواني" المعروفة في بُلدان وبساتين المدينة.
ولمّا عاد (عزيز) رفقة والدته السيّدة (فاطمة بنت أحمد صفا)، إلى المدينة على ذلك الجمل "النطّاطي" من ينبع.. لحست أُمه تراب الأرض في باب العنبرية. يعبّر عزيز ضياء عن ذلك في مذكراته، في واحدة من أخطر الروايات صدقاً وحرارةً في أدبنا السعودي المعاصر: "حين أذكر اللحظات من ذلك الفجر الآخر الذي شهدناه ـ أمي وأنا ـ وقد بلغت بنا القافلة، ما كان يسمى (الأستاسيون) في أعلى العنبرية من المدينة المنورة، كنت أسمع وأشعر بصوت أمي وهي تجهش بالبكاء، ثم ترجو الجمّال أن يقف، وأن ينيخ الجمل، وأن يملأ لها الإبريق الصغير من القربة ماء، لأنها تريد أن تصلي الفجر. وكان الجَّمال كريماً.. استجاب لطلبها فأخرج الجمل الذي نركبه عن مكانه من القافلة، وتنحى به جانباً قريباً من جدار المسجد ثم أناخه، وأعانها، بأن حملني، وأوقفني على الأرض.
توضأتْ. ثم غسلت لي وجهي... كان الماء بارداً جداً... وقالت لي: "هيّا سوّي... زي ما تشوفني أسوِّي... فاهم؟".. ثم اتجهت إلى القبلة، وقبل أن تدخل في الصلاة، سجدت وقد رفعت (البيشة)، عن وجهها... ورأيتها تلعق التراب مرّة.. ثم ترفع رأسها... ثم تعود، وتلعق التراب مرّة أخرى... ثم... للمرّة الثالثة... وتابعتها وفعلَت كما رأيتها تفعل.
وعاودتها نوبةُ البكاء بعد الصلاة... وركِبنا الجمل... ولحقنا بالقافلة، والجمَّال يسألها، أين تريد أن يذهب بها.. قالت وصوتها يختنق بالبكاء: "الساحة يا عمّ... عِند زُقاق القفل"!
إنها نشوة العودة إلى الدِيار والوطن!















