عن دار ورد للنشر والتوزيع، الأردن صدرت الطبعة الأولى من كتاب قراءات نقدية في حقول الإبداع والمعرفة لمؤلفه الأستاذ الدكتور سلطان المعاني.
وجاء في تقديم الدكتور المعاني المنشور على صفحته الخاصة ضمن موقع الفيس بوك بأن هذه القراءة "بنيت على أربعة أبواب رئيسة تنازعها حقلا الإبداع والمعرفة، ليس فقط في الحالة التصنيفية، بل وفي متونها النقدية، فهي قراءات والفت بين الشعرية والرؤى النقدية والحفر المعرفي وتفاعلية الناقد. لقد تناولت القراءات النقدية المبدع شاعرًا وناثرًا مكرسةً تحولات جوانيته من خلال تعاطي نصوص "كما يليق بطير طائش" وتوظيف قصيدة "سلالتي الريح وعنواني المطر" معرفياً، وهما نموذجان زحزحا التكوين الإبداعي عند الحوامدة لينحى صوب فضاءات جديدة وسعت زاوية الرؤية، ووضعته في شكل نهوض.
ويمضي الكتاب نابشًا عالمَ الشاعر من الداخل خلال ثلاثة أعمال تعنونت بعتبات تشي بدواخل صاحبها وما عَنَّ على خاطر قارئها فكانت على نحو "كأنك شكٌ وأنتِ اليقين" و"كأنك طائر الفينيق، توزع ريشك في الأرض" و"مراثي البهلول"، وأفصحت عن التلاقي العفوي بين المتلقي والباثّ، وانسياب النص دفقًا شعوريًا خالصًا، تمسّ الجمل الشعرية فيه المتلقي مسًّا رقيقًا وتهزه طربًا وتصابيًا وسورة خمر في أُخريات. وفي "زلة أخرى للحكمة" أيقظ الناقد القصائد قائمة على الرؤيا بأفقها الإنساني فهي معاودة صوغ الذات إبداعًا لحوحًا مجبولًا قلقًا تدفع الكلمة بالكلمة والصوغ بأخيه حتى يتولد التوازن النفسي والجمالي بين القصيدة وجوانية الشاعر.
وتنتسب النصوص النقدية مع تجليات المكان إلى "سماء أخرى"، باحثًا عن كينونتنا فيه، فعندما يغدو المكان وطنًا، تقفز في حضوره الذكريات دفعة واحدة فيتماهى المكان والزمان، نتوق فيه لذلك الغائب، نشرع له أبواب الهوى. ولم بنته فصل القول في "تأويل الكلام" لغسان عبد الخالق على ما هو عليه من النظرة الفلسفية المعمّقة للأشياء، والنظرة الثقافية والنقدية الثاقبة للأدب وفنونه، بل اتكأ على معرفة شخصية وطيدة بكل الشعراء الذين تمّت دراستهم، باستثناء عرار، مركِّزًا على ما استطاع من نبش مواطن العاطفة والشفافية فيما تناول من تجارب شعرية معاصرة الفن وفق منهج تحليلي يضمن لها تجلّي الحضور، غير أنه ينكص ليعلن تأزم الفنون العربية ثقافيًا ومجتمعيًا، إذ أنّ شوطًا بعيدًا ما زال ينتظر دراسات الفن العربية لترقى إلى المعاصر لها عالميًا .
يلج الناقد إلى عالم "رجع الصهيل" وفق منهج ميشال فوكو في حفريات المعرفة راصدًا بدايات القرن العشرين حيث قاد الكركيون ثورتهم ضد الأتراك في موقعة أسموها الهيَّة. وقد رصد كتاب "قراءات نقدية" تَمثُّل خالد الكركي الموقف فاستحال شاعرًا يرتل سفرًا من أسفار القداسة الوطنية مستحضرًا الذاكرة المكانية والزمانية للموقعة. وفي تماثل الحال يقارب الكتاب المُكَوّنات الحضارية والمكانية في "وطن واحد ونساء كثيرات" في عالم من المسؤوليات والمواقف التي تماشي الشعري والأيديولوجي. ويَعْبُرُ حيدر محمود عتبة ديوانه "في البدء كان النهر" بمبتدى تكوين الضفاف، مُجيِّشًا التاريخي والديني ودلالات التعلُّق وفق أطروحة العتبات لجينت التي تختزن عنونات القصائد في حضور الأرض والناس وأوليات خطاب، وتُشكِّل سويّاتٍ معرفيةٍ تُكثِّف ثيمات النصوص، وبؤرة الدفق الشعري الوجداني فتغدو مطلبًا أوليًا لولوج عالم القصيدة وليدتهما وقد عرّج الكتاب على مسألة الاغتراب في الرواية "أرض اليمبوس" لإلياس فركوح حيث يتوجه عنوان الرواية الرئيس إلى تكريس سلب الحرية في الأنساق كافة، فالمكان فضاء مفترض، لا وجود له في الحياة الدنيا، فهو مكان ميتافيزيقي مُتَوهّم يفتقر إلى معايير الواقع الفيزيائية والزمنية، ولنا أن نمضي مع الرواية التي تجعل المكان في زمن آخر ودنيا أخرى وحياة أخرى، وهذا قفز هائل على الواقع، غارق في الغربة لاستحالة التجسيد، وممارسة فعلِ وَطئِه، وحتى في ظنون وتوهمات وصفه. ولقد عُلِّقت حواشي المؤرخ على رواية "بترا" التي جعلت من بترا عالمًا من العلائق، وفضاءات من التاريخ المسرود والمرئي، وحركية تضجّ بها أحقابها المتعاقبة، إذ بدأت من فصلها الرواية الأول تؤسس لملحمة تاريخية حضارية تجلّى المكان فيها عبقريًا، نظم جميع العلائق وفق مشتهاه، الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية وحتى العسكرية. وفي ذات المنحى رصد الكتاب أيديولوجيا العمل الإبداعي "حلم المسافات البعيدة" لسليمان القوابعة فالرواية، أيًا كانت، مساحة مهمة في نبش قدرات مؤلفها، ومحكّ أساس للتجلي السردي، وإشهار للأدوات الروائية التي تنهض بالعمل. ولعل القبض على نسيج متسق في العمل الروائي الإبداعي رهان حقيقي على جدية الروائي ورصانة منتجه. وينتقل الكتاب النقدي هذا إلى التبصُّر في المعطى الحضاري من جوانب مختلفة منها الرؤية الاستشراقية في الخطاب الأريو-سامي وفي مسائل فقه اللغة وثنيوية الهوية والإثنولوجيا وقد كانت العربية هدفًا أساسيًا له، تنطوي ضمن لغات الفردوس التي يُبدع موريس أولندر تعاطيها بدقة بالطرح وتناولًا لتاريخ الديانات والأجناس والفيلولوجيا.
إننا أمام كتاب لا تُجَوِّزُ لنا مسؤولياتنا الأخلاقية والثقافية التعامي عنه، والمرور عليه دون طرحه قضية للنقاش والتحليل، وهو الكتاب الذي فيه ما فيه من مسٍّ لصيق بأس التكوين الحضاري والثقافي والديني واللغوي في الحضارات الآرية والسامية.
ويهتم البعد النقدي للكتاب في طرح الحوار العربي الإسكندنافي لتومو ميلاسو على بساط البحث فالحوار حالة حضارية تبادلية بناءة، سواء مع الذات أو مع الآخر، تفضي إلى خطاب مشترك، يحتكم إلى الفكر والعقل والبناء المعرفي المستنير، الذي لا يغلق منافذ القلعة، نافيًا حق الآخر في الاختلاف، معترفا بدوره في الإسهام الإنساني القائم على التكافؤ بحق الوجود والأمن والسلام، ومقرًا بإسهاماته المخلصة في البناء الحضاري وفق المعطيات التي أتيحت له. ويرمي الفصل الثاني من باب الحضارة إلى افتضاح الخلل الحضاري في الرؤية الماضوية التي تعلن تأزم الفهم الديني الإسلامي المعاصر. ويجيء الفصل الخامس قراءة لأدب الشرق القديم في الأردن من خلال "نقش الجص الآرامي من دير علا" بعدما بقي الصمت مطبقًا على أقدم نص أدبي أردني عرفنا حتى اللحظة حتى ترجم إلى العربية من خلال النص الإنجليزي الصادر فصلاً في كتاب إدوارد لبنسكي: دراسات في النقوش والأسماء الأرامية ضمن سلسلة منشورات البنك الأهلي في كتابه الصيف الطويل "دور المناخ في تغيير الحضارة" يَطَّوَف براين فاغان عبر القرون والأحقاب التي مرّت على الأرض منذ العصور الجيولوجية مرورًا بالعصور الأثرية والتاريخية حتى عصرنا الحاضر، وقد كانت جغرافية دراسته الأرض برمتها مرورًا بقاراتها ومحيطاتها وبالبشر والنبات وكلّ ما دبَّ فوقها. وفي سياق متصل يطرح الكتاب فكرة "الأنماط الثقافية للعنف" وعبثية العنف وحتميته، فهو إذ يقوّض تواصل الحياة واستمراريتها، فإنّ حتميته تكمن في العجز البشري عن الوقوف عند الحدِّ الفاصل بين عاطفة الغضب وسلوك العنف.
وفي باب الثقافة والفنون يناقش الكتاب مستقبل الثقافة والفنون من خلال "مؤتمر الثقافة الوطني الأردني" ويتناول سوسيولوجيا الفن وفق منهج تحليلي يضمن لها تجلّي الحضور، غير أنه ينكص ليعلن تأزم الفنون العربية ثقافيًا ومجتمعيًا، إذ أنّ شوطًا بعيدًا ما زال ينتظر دراسات الفن العربية لترقى إلى المعاصر لها عالميًا ".
علما بأن الكتاب من القطع المتوسط وعدد صحفاته 327، قراءة ممتعة نتمناها للجميع.















