في كتاب "الصوفية النسوية - الغوص عميقاً والصعود إلى السطح"Diving Deep and Surfacing : Women Writers on Spiritual Quest، لمؤلفته كارول بي كريست، نجد تعبير "السعي الروحي" مرتبطا ارتباطا وثيقا بقصص النساء.
بحسب هذا التعبير نجد أن إحساس المرأة بنفسها وبالعالم يتخلق من خلال القصص، فهي التي توجه حياة المرأة عبر الزمن، وتشكل إحساسها حول ما تفعل وما لم تفعل في لحظات يبدو فيها معنى الحياة غامضا مبهما. وهو أمر حاسم خطير إذا أخذنا في الحسبان ما تحتويه هذه القصص من شخصيات أحببناها أو أردنا تقليدها أو حتى التشبه بها، فالقصص تلعب دورا كبيرا يساهم في تخلق إحساس المرأة بنفسها وبالعالم من حولها.
تؤكد الكاتبة على جدلية خاصة تجمع بين القصص والخبرة، فالقصص تعطي الشكل للخبرة، والخبرة هي التي تبعث بالقصص، ومن هنا جاءت ضرورة الاهتمام بأدب تكتبه المرأة يحمل منظورا نسائيا خاصا، فالنساء عشن لفترة طويلة في عالم ندر أن تُحكى فيه القصص من منظورهن، بل إنهن ظهرن في قصص الرجال في أدوار حددها الرجال عادة: أمهات أو زوجات أو ممرضات أو عشيقات، أما القصص عن الأمهات مع البنات أو عن صداقات النساء فنادرا ما تُحكى، وبالتالي نمت الحاجة إلى أدب نسائي تكتبه نساء مدركات للفجوة بين خبرة النساء وقصص الرجال.
الأدب النسائي في نظر الكاتبة يحمل بعدين: اجتماعيا وروحيا، في الأول يسعى الأدب إلى التركيز على نضال النساء من أجل اكتساب الاحترام والمساواة والحرية في المجتمع وفي العمل وفي السياسة، ويصبح "الشخصي هو السياسي" التعبيرَ الذي يعكس الوعي الجديد للنساء. في الثاني يركز الأدب على يقظة المرأة وانتباهها إلى أعماق روحها، كما يتضمن السعي الروحي للمرأة لحظات من التأمل والوحدة تقويان بالمشاركة، وهي لحظات تفضي إلى طرح أسئلة أساسية من مثل: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما هو مكاني في الكون؟ وهي أسئلة تساعد القصة في الإجابة عنها، وليس المقصود بذلك قصة تقضي بالسعي إلى إرضاء الآخرين أو تحقيق توقعاتهم، وإنما قصة تدفع قارئتها إلى التساؤل في ما إذا كانت في حياتها الواقعية قد فعلت الأشياء التي اختارتها هي بالفعل، في وقت تأبى فيه إجابات تقليدية عن أسئلتها، وتحرص على الانفتاح على ما هو جديد بصورة جذرية.
يتضمن السعي الروحي قربا من الطبيعة تمتاز فيه المرأة على الرجل، ذلك أن كلاًّ من المواقف والأدوار الثقافية التي تعيشها النساء تشجعهن على الانتساب إلى الطبيعة، فخبرات النساء في الطبيعة لها أهمية قصوى، لأنها يمكن أن تحدث في العزلة حينما تشعر المرأة أنها معزولة عن الآخرين، وليس لديها مكان تتجه إليه. وحينما تكون النساء في أعماق اليأس والوحدة، فإن كثيرات منهن يشعرن بالراحة من خلال التجذر في الطبيعة.
وانسجاما مع هذا التوحد، يصبح التعارض التقليدي بين الطبيعة والروح أمرا مرفوضا، والكاتبة ترى أن هذا التعارض أحدُ الافتراضات الأساسية في التفكير الغربي، وكما تجادل روز ماري، فإن ثنائية العقل مقابل العاطفة قد قمعت النساء، فالرجال نظموا هذه الثنائيات سلطويا وربطوا أنفسهم بالجوانب الإيجابية منها، بينما هبطوا بالنساء إلى الجوانب السلبية. علاوة على أن الفلاسفة قد فهموا هذه الثنائيات بصورة تقليدية بوصفها تحمل التعارض بين طرفيها. والحال يشهدُ أنّهُ إذا كانت النساء مختلفات عن الرجال، فهذا لا يعني أنهن في مرتبة أدنى منهم، إذ ربما كانت الطبيعة مختلفة عن الروح، ولكنها ليست أدنى منها، فما يسمى "العاطفة" أو "الحدس" ربما لا يكون أدنى من أنماط التفكير التي تسمى عقلانية.
يتولد لدى الكثير من النساء ما تطلق عليه الكاتبة "خبرة العدم"، وهو إحساس غامض من القلق والتوتر، أو هو إحساس غير مريح بأن حياتهن لم تتحول بالصورة التي توقعن أن تتحول إليها، وقد يتعمق هذا الإحساس إلى حد الإحساس بالجنون، أو حتى التفكير بالانتحار، هنا تأتي الحاجة إلى أدب يحدد ألم هؤلاء النسوة ويعرفهن أنهن يتقاسمن هذه الخبرات، وأنها خبرات مشتركة، وأن كثيرا من النساء يمتلكن المشاعر نفسها، فالنساء بحاجة إلى قصص تخبرهن بأن مقدرتهن على مواجهة الظلام هي مؤشر على القوة وليست دليلا على الضعف.
تستخدم الكاتبة مصطلح "اليقظة" Awakening المأخوذ من عنوان رواية "كيت شوبان" للتعبير عن وصف التغير في وعي النساء، وتحدده بأنه يعني الانتقال من الأفكار التقليدية لمعنى الحياة إلى خبرة مباشرة عن الواقع الحقيقي، فاليقظة تفيد بأن النفس تحتاج فقط إلى أن تلاحظ ما هو موجود بالفعل، كما تتضمّن القدرة على أن نرى أو نعرف، فهي قوة موجودة في النفس تتحقق بمجرد رفض حالة النوم.
والكاتبة في مؤلفها تستخدم مصطلح "القصة" بمعناها الواسع للإشارة إلى كل تجليات الخبرة التي تحمل العنصر السردي، فالسرد ذو طابع أنثوي، وهذا يلغي ما يقال من إن ميل النساء إلى الرواية وتفضيلها على الشعر مرتبط بمحدد بيولوجي، فالجنس الأدبي كما تقول كيت ميليت ليس هبة طبيعية، وإنما هو فكرة نفسية تشير إلى هوية ذات طابع ثقافي مكتسب؛ فالقصة فن الكائن المقهور في سعيه للخروج من القهر والوصول إلى الحرية.
تطرح تسمية النساء الجديدة للذات وللعالم اتجاهات للتغير الاجتماعي، يتطلعن من خلالها إلى الأمام نحو تحقيق التبصر الروحي في الواقع الاجتماعي، وهو ما يعني تحقيق الاندماج والتوحد بين السعي الروحي والسعي الاجتماعي. فكيت شوبان تنهي روايتها الشهيرة "اليقظة" Awakening بانتحار البطلة إيدنا، بما يحمله هذا الانتحار من انتصار لامرأة قوية اختارت أن تموت على أن تستسلم للقيود الاجتماعية التي كانت تعتصرها، والكاتبة تعتقد أن انتحارها يعكس انتصارا روحيا وهزيمة اجتماعية، بما ينبئ أنه من الممكن أن تقود اليقظة الروحية إلى مأساة إذا لم يرافقها دعم اجتماعي، وهي شهادة صادقة أرادت صاحبتها التأكيد عبرها أن سعي النساء يجب أن يهدف إلى التحرر الروحي والاجتماعي الكاملين.
النهاية التراجيدية لهذه الرواية التي تتناولها الكاتبة بالنقد والتمحيص تفرض تساؤلا بشأن دور الأدب في تشكيل الحياة، فالقارئة المرأة تطلب من الأدب تزويدها بصورة عن المرأة التي هي الشخص الذي تسعى إلى تمثله لا المرأة الموجودة في الواقع. والحق أن هذا التساؤل يضع الكاتبة النسوية أمام مهمة تواجهها في كتابة القصة، وهي السعي إلى دمج متعمد بين الروحي والاجتماعي، ولعل الكاتبة في ما تطرحه تطلب من قارئ القصة النسائية ألا يرضى كل الرضا عن أدب النساء حتى يسعى إلى تحقيق هذا الأمر.
وللتعبير عن حاجة النساء الماسة للقصص تنقل عن نتوزاك شانج الآتي:
"غني أغنية البنت السوداء
أخرجيها
لتعرف نفسها
لتعرفك
.... غني أغنيتها عن الحياة
فقد ماتت منذ أمد بعيد
.... غني أغنية عن الاحتمالات التي كانت تنتظرها.
غني إنجيلا جديدا
يصوغ لحنا
دعيها تولد
دعيها تولد".
فالمطلوب إعادة المكانة في القصص للنساء السوداوات، إذ إن ثقافة الرجل الأبيض عمدت إلى إقصائهن أكثر مما عمدت إلى إقصاء النساء البيض. أما استخدام شانج للتخيل الخاص بالولادة من جديد فهو بمثابة تأكيد على ضرورة كل النساء القصاصات، فالمرأة بحاجة ماسة إلى معنى تعيش فيه، وإلا وجدت نفسها تخوض غمار خبرة العدم، بما قد يدفعها إلى الانتحار كما سبق القول.
هذا الكتاب يمر بصوفية ذات منظور رحب، تدعو إلى امتلاك الوعي بوجود لا مرئي وراء العالم المادي المحسوس، ويرسم رحلة روحية مختلفة بفعل اختلاف تجربة النساء عن الرجال، تبدأ بالالتحام مع الذات ومن ثم التصالح مع الكون، إلى أن تصل إلى مرحلة تتمكن فيها النساء من الاندماج مع مجتمع كثيرا ما عانين الانفصال عنه من قبل، ويكون هذا -كما ترى الكاتبة- من خلال تجارب في الطبيعة، أو من خلال علاقات إنسانيّة هدفها تحقيق تواصل بعيد المدى.
وقارئ هذا الكتاب النقدي لا يملك سوى التفاعل معه، إذ يحس فيه بروح الكاتبة ونبضها أثناء مناقشتها أعمالا أدبية عديدة بدأت منذ النصف الأول من القرن العشرين في أميركا وأوروبا. والكتاب ناجح بامتياز في بلورة أفكار صاحبته، وهو ما جعله يُستقبل بحفاوة شديدة إلى درجة دفعت مجموعة من الطالبات الجامعيات إلى تطوير فكرة الكتاب والتعامل معه بوصفه مفجرا لتجارب شبيهة لديهن.
عن الرأي















