الغلاف أدب الطفل أدب الطفل: تاريخ القارئ من حكايات يعسوب إلى هاري بوتر

نوارس أدبية

السبت
مايو 19
English Bulgarian Chinese (Simplified) Chinese (Traditional) Croatian Czech Danish Dutch Finnish French German Greek Hindi Italian Japanese Korean Polish Portuguese Romanian Russian Spanish Swedish Filipino Latvian Lithuanian Serbian Slovak Ukrainian Vietnamese Albanian Hungarian Thai Turkish

أدب الطفل: تاريخ القارئ من حكايات يعسوب إلى هاري بوتر

إرسال إلى صديق طباعة PDF
( 0 - عدد مرات التقييم )

فاز أستاذ الأدب وعميد الفنون والانسانيات في جامعة كاليفورنيا في سانت دييغو ، سيث ليرر ، بجائزة ترومان كابوت للنقد الأدبي لعام 2010 ، عن كتابه "أدب الطفل: تاريخ القارئ من حكايات يعسوب إلى هاري بوتر". وتعد جائزة ترومان كابوت أرفع جائزة للنقد الأدبي المكتوب بالقارئ ، وقد منحت أول مرة في عام 1996 ، وتبلغ قيمتها ثلاثين ألف دولار. ارتبطت الجائزة في الأساس باثنين من الأدباء في الولايات المتحدة ، هما: الروائي والقاص والمسرحي الأميركي ترومان كابوت ، تقديراً لأعماله ، والناقد نيوتن آرفن ، الذي فقد مستقبله الوظيفي في الأربعينيات ، بعد أن اكتشف أنه كان مثلي الجنس. وقد حصلت عليها في عام 2008 الناقدة البريطانية وأستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد ، هيلين سمول ، عن كتابها "حياة طويلة" ، الذي يتناول موضوع كبر السن في الفلسفة والأدب الغربيين. وقد سبق أن نشرت الدستور مقالتي عنها وعن كتابها الفائز بالجائزة في حينها. وفي عام 2009 حصل عليها الشاعر والناقد البريطاني المعروف ، جيوفري هيل ، الذي يعمل أستاذاً للأدب الإنجليزي في جامعة بوسطن عن كتابه "كتابات نقدية مختارة".

أما المؤلف فهو متخصص في جانب من فقه اللغة المعني بالتحليل التاريخي للغة القارئ. وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة شيكاغو في عام 1981 ، وبدأ حياته الأكاديمية بالتدريس في جامعة برنستون خلال الفترة من عام 1981 حتى عام 1990 ، حيث انتقل بعدها إلى جامعة ستانفورد وبقي فيها حتى عام 2008 ، وبعد ذلك انتقل إلى جامعة كاليفورنيا حيث يعمل الآن.

يهتم ليرر في دراسة أدب العصور الوسطى وعصر النهضة ، وقد ساعده تخصصه في موضوع دراسة التطور التاريخي المقارن للغات ، في تطبيق مناهج فقه اللغة في نقد تاريخ أدب الطف ، ودراسته. ويجيد ليرر القراءة بلهجات أدب القرون الوسطى ، كما ألف كتاباً عن مؤسس الأدب الإنجليزي الحديث جيفري تشوسر في القرن الرابع عشر. وفاز كتاب سيث ليرر ـ موضوع المقالة ـ في العام الماضي بجائزة حلقة نقاد الكتاب الوطني.

يعد الكتاب ، الذي نشر في عام 2008 ، إلى حد ما ، "سيرة ذاتية ثقافية" للمؤلف: إذ يتطرق إلى حياة المؤلف الخاصة حينما كان طفلاً ، وتجربته مع القراءة ، وولعه في الكتب بعد ذلك خلال فترة الشباب ، ومن ثم ، تجربته مع القراءة حينما صار أباً. "لقد فكرت في الأمر من وجهة نظر شخصية ، وأنا أراقب طفلي كيف كبر وأصبح قارئاً". يتناول الكتاب الأعمال التي تعد من كلاسيكيات أدب الطفل عبر التاريخ. وقيل عن الكتاب إنه ابتعد عن الطريقة التقليدية في عرض كتب الأطفال المعروفة وتقويمها ، وتقديم النصح للكبار في كيفية اختيار مقتطفات منها للأطفال: لأنه يقدم نقداً تاريخياً لهذا النوع الأدبي برمته.

يقسم الكتاب ، الذي يقع في 396 ، صفحة إلى خمسة عشر فصلاً. وطرح الكاتب ، في المقدمة ، أهمية تأسيس نظرة جديدة إلى تاريخ أدب الطفل. أما في الفصل الأول ، فتناول أدب الطفل في الأعمال الكلاسيكية القديمة اليونانية والرومانية ، وهو بعنوان "تكلم أيها الطفل". وتناول في الثاني حكايات يعسوب ، تلك الحكايات الرمزية عن الحيوانات وعلى ألسنتها ، بهدف تربية الأطفال الأخلاقية ، والتي وضعها الإغريقي يعسوب في القرن السادس قبل الميلاد. وتناول في الفصل الثالث أدب الطفولة في العصور الوسطى ، وفي الفصل الرابع تأثير حركة المتطهرين المتزمتين البيورتانز ، الذين ظهروا في أوروبا وأمريكا في القرنين: السادس عشر والسابع عشر. ويتطرق في الفصول التالية إلى تأثير جون لوك والقديس أغسطين في أدب الطفل ، وتأثير رواية روبنسون كروزو ، التي يفرد لها مساحة كبيرة. وبدءاً من الفصل الثامن ، ينتقل للحديث عن أدب الطفل منذ العصر الفيكتوري حتى العصر الحديث ، كما يتطرق إلى حكايات الجنيات والكائنات الخيالية بشكل مقارن بين اللغات. كما يخصص الفصل الحادي عشر للحديث عن أدب البنات الصغيرات ، وهو من أمتع الفصول في الكتاب. أما الفصل الثاني عشر فهو عن خصائص العهد الإدورادي في كتب أدب الطفل ، وفي الفصل الثالث عشر يتحدث عن مظاهر أدب الطفل في أمريكا وتمثيلاته ، من خلال الجوائز والمكتبات والمؤسسات المعنية بذلك. وفي الفصلين الأخيرين يتحدث عن الأسلوب والطفل ، وعن مستقبل أدب الطفل في عصر ساخر يقوم على توظيف الغريب والمضحك في سياق له معنى. أما خاتمة الكتاب ، فتتحدث عن العلاقة بين أدب الطفل وظهور الكتاب بمفهومه العام عبر مراحله التاريخية ، حيث يؤكد أن أدب الطفل زخم قوي مع ظهور أول ناشر لكتب الأطفال في الولايات المتحدة ، واسمه جون نيوبري ، في القرن الثامن عشر.

تنبع أهمية الكتاب من أنه من الكتب القليلة التي تعد عملاً موسوعياً في مجاله ، ومزيجاً ، في الوقت ذاته ، من البحث الجاد والأصالة التي تتمثل في إضافات الكاتب ، وليس مجرد السرد التاريخي ، والتي ـ كما ذكرت المراجعة النقدية للكتاب في صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل ـ تضم ، بلغة نقدية شيقة ، تاريخاً يمتد على ما يزيد 2600 عام هي عمر حكايات الأطفال وقصصهم. ولهذا يفتتح المؤلف الكتاب بعبارة تحمل الكثير من المعنى: "منذ أن تعلم الأطفال القراءة ، وجد أدب الطفل". يحاول الكتاب أن يقدم إجابة شافية لتفسير سبب تلك الرغبة الجامحة لدى الإنسان عبر القرون وفي مختلف القارات ، لاكتشاف لماذا ، وكيف ، نقع في حب الكلمة المكتوبة أول مرة في حياتنا.

كما يتطرق الكتاب إلى الأعمال الموجهة للفتيان ، والتي صدرت في السنوات الأخيرة ، وحققت شهرة ، حتى صارت جزءاً من ذاكرة أدب الطفل الحديث ، مثل رواية "ويتزي بات" للأميركية فرانشيسكا ليا بلوك ، الصادرة عام 1989 ، أو ثلاثية "تداخل الزمن" لجون شيزكا ، والتي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني ، وتحكي عن جوانب من عالم الخيال العلمي والرحيل عبر الزمن ، حيث تجري أحداث بعض القصص في العام ,2095

ولا يقتصر الحديث في الكتاب على أدب الطفل في القصص والروايات ، بل يتعدى ذلك إلى المسرح ، مثل مسرحيات شكسبير ، وخاصة "حلم ليلة صيف" ، التي تنطوي على مشاهد مناسبة للطفل ، خاصة تلك المشاهد التى تقدم حكايات رمزية أو مخلوقات خيالية. إن مسرحيات شكسبير وشخوصها ، كما يؤكد المؤلف ، هي السبب في قيام مسرح الطفل الحديث.

ورغم أن الكتاب يتناول اشهر أعمال أدب الطفل عبر العصور ، منذ الحضارة اليونانية ، مروراً بالقرون الوسطى ، ثم عصر النهضة ، مع التركيز على الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر ، وكذلك الأدب الأميركي ، حتى لا يترك قصة ولا رواية للأطفال فيه إلا ويذكرها ، إلا أنه يتجاهل كتب الأدب الشعبي التي أثرت كثيراً في وعي الطفل ، حول العالم ، من الثقافات الأخرى ، مثل حكايات ألف ليلة وليلة ، التي أصبحت من كتب التراث العالمي. وأستغرب أنه ليس هناك ذكر في الكتاب للحكايات العربية المشهورة التي صارت جزءاً من ثقافة الأطفال في أوروبا بعد أن ظهرت ترجماتها ، مثل: "البساط السحري" ، و"الحصان الطائر" ، و"ياسمينه والسندباد البحري" ، و"علي بابا" ، و"علاء الدين والمصباح السحري" ، وهي جميعاً حكايات اكتسبت شهرة واسعة ، وصارت رموزاً تركت تأثيراً كبيراً في أدب الطفل العالمي. ولا يقتصر الأمر على الثقافة العربية ، فهو يتجاهل الأدب الصيني والياباني والهندي ، وحتى بعض الأعمال المشهورة ، مثل: حكايات لافونتين على ألسنة الحيوانات ، أو قصص السويسرية جوهانا سبايري مثل "هايدي".

يؤكد الكتاب أن شخصية الطفل هي ما يقرأ ، وهكذا فنحن تصنعنا الكتب التي نقرؤها. يقول المؤلف: "لا ينفصل تاريخ أدب الطفل عن تاريخ الطفولة: لأن الطفل ليس إلا صنيعة الكتب والنصوص والحكايات التي قرأها أو سمعها أو رويت له". يرصد الكتاب التحولات الجذرية والدائمة التي تصيب الطفل خلال تجربته التي يتعلم فيها القراءة حينما تؤثر فيه بعض الكتب ، وتترك أثراً لا يمحى في شخصيته. كما يتحدث الكتاب عن التحولات في بيئة الأسرة ، والتطور الإنساني ، والتمدرس ، وصناعة الكتب والنشر ، التي تؤثر ـ بمجملها ـ في شخصية الطفل من خلال الأدب. ويلفت الكاتب النظر إلى نقطة مهمة حين يؤكد أن "صعود نجم أدب الطفل الأميركي كان مرتبطاً ، إلى حد كبير ، بانتشار فكرة إعارة الكتب في المكتبات العامة".

يشتمل الكتاب على تحليلات مختلفة لعدد من المؤلفين في مراحل سابقة ، رغم أن بينهم تفاوتاً كبيراً وتنوعاً في الأساليب السردية ، مثل حكاية "رحلة الحاج من هذا العالم إلى العالم الآخر" لجورج بنيان من القرن السابع عشر ، وهي عبارة عن حكاية رمزية دينية ، ومن أهم الأعمال في تاريخ الأدب الإنجليزي ، وجي تولكين ، الروائي الأميركي من القرن التاسع عشر ، الذي ألف رواية "سيد الخواتم" ، والذي يعد رائد أدب الفنتازيا الحديث ، ودكتور سويس جيزل الكاتب ورسام الكرتون للأطفال الذي توفي في بداية التسعينيات من القرن الفائت ، والكاتبة لورا إنجالز وايلدر ، التي كتبت سلسلة "البيت الصغير في البراري" ، وهيلين بياتركس بوتر الكاتبة الأميركية التي توفيت في الأربعينيات ، والتي اشتهرت بقصص الأطفال التي تجسد الظواهر الطبيعية والأجسام غير الحية على هيئة البشر. كما يتناول الكتاب الأعمال التي تحفظها ذاكرة الناس وأسهمت في صنع خيال الطفل ، مثل: "حكاية أمي الإوزة" ، و"أليس في بلاد العجائب" ، و"بيتر بان" ، وسلسلة "هاري بوتر". ويتطرق الكتاب إلى عدد من الأعمال الأدبية الموجهة للفتيات الصغيرات ، مثل رواية "آن من غرين غيبلز" للكاتبة الكندية لوسي مود مونتجمري ، والتي وضعتها في عام 1908 ، وأصبحت من أشهر الكتب الأطفال في العالم.

لقد تعرضت قصص هاري بوتر التي كتبتها جي. كي. رولينغز إلى نقد شديد بسبب نبرتها النمطية ، واستعاراتها البلاغية التقليدية ، غير أن ليرر وجد في هذه الجوانب الشائعة بغية دارسي فقه اللغة ، ليس على صعيد اللغة وحسب ، ولكن على صعيد شخوص القصص ، أيضاً.

يؤكد المؤلف أن أغلب كتب الأطفال المشهورة ، منذ عهد اليونان والرومان حتى زماننا المعاصر ، تجعل من غرفة الصف ومكتبة المدرسة وساحتها المسرح الذي تجري عليه أغلب أحداث القصص. ولهذا فإن أحد أسباب نجاح عمل مشهور ، مثل "روبنسون كروزو" ، بالنسبة للطفل ، هو مدى اللعب الذي يوفره من خلال الأدوات والأشياء: فالبطل في "روبنسون كروزو" يتقن التعامل مع مختلف الأدوات في حياته الخطرة ، وحيداً مع السكان الأصليين على تلك الجزيرة الكاريبية البعيدة. وقد تحول هذا الاهتمام ، في عصر الصناعة ، إلى معرفة البطل بطرق عمل الأسلحة والخرائط ، وميكانيكا المحركات البخارية والمتفجرات والسجائر والبضائع المعلبة وغيرها. وفي العصور اللاحقة ، ومع تحول سبب خروج البطل الأوروبي إلى العالم الجديد ، من الاستكشاف الجغرافي إلى الاستعمار الإمبراطوري ، فقد حصل تحول على صعيد القصص والروايات ، فلم يعد البطل هو المغامر حاذق الأشياء والأدوات الذي يتمكن من البقاء على قيد الحياة بفضل مهاراته ، بل صار هو صاحب الخبرة العسكرية والعارف بمتطلبات الحياة العامة ، الذي يستطيع السيطرة على قبائل الشعوب الأخرى. وباختصار: انتقل الاهتمام من الجزيرة إلى القارة.

أما نظرة كتب أدب الطفل إلى الطفل ذاته ، فقد كان التركيز ـ على الدوام ـ منذ أيام يعسوب ، مروراً بالأدب الكلاسيكي والقروسطي حتى بوادر العصر الحديث.. كان التركيز يقوم على تقديم النصح للفتى كيف يتصرف جيداً ، ويراعي نظافته ، ويتكلم بوضوح ، ويهتم بدراسته. بل إن الأدب في القرن الثامن عشر اهتم في أن يكون لكل طفل أسلوب في تفاعله الاجتماعي والأخلاقي. وقد عكست أعمال تلك الفترة المبدأ الذي يقول: "كيف تتكلم هو ، بحد ذاته ، معنى كيف تكون". وهكذا صار هدف أدب الطفل تعليم مبادئ التصرف الاجتماعي. وفي منتصف القرن التاسع عشر صار اهتمام الأدب يعكس واقع التغيرات الجديدة كالاتصال المتمثل في التلغراف ونقل أخبار الحروب. وهكذا تحول كتاب الطفل من مثل سفينة غارقة في "ربنسون كروزو" ، إلى عالم يمتد فوق القارات ويهتم في البناء وتفاصيل الحياة اليومية.

وإذا كان هدف أدب الطفل هو تعليم الطفل ، وإدخال البهجة إلى نفسه ، فإن الكتاب يحمل قيمة كبيرة للمهتمين في تعليم الأطفال على مختلف المستويات ، وواضعي السياسات ، وعلماء النفس ، والباحثين ، والآباء. إنه جهد موسوعي في دراسة أدب الطفل من منظور نقدي لغوي مقارن منذ أن وجد أدب الطفل وحتى اليوم.
 

 
كاتب هذا المقال: اياد نصار للدستور

جديد منتدى المعهد العربي

أقسام الموسوعة الأدبية الشاملة

إشترك الآن للحصول على النشرات الدورية


آخر المقالات

الأكثر قراءة