الغلاف نوارس الأدب العربي إميل حبيبي أديباً مفكراً

نوارس أدبية

السبت
مايو 19
English Bulgarian Chinese (Simplified) Chinese (Traditional) Croatian Czech Danish Dutch Finnish French German Greek Hindi Italian Japanese Korean Polish Portuguese Romanian Russian Spanish Swedish Filipino Latvian Lithuanian Serbian Slovak Ukrainian Vietnamese Albanian Hungarian Thai Turkish

إميل حبيبي أديباً مفكراً

إرسال إلى صديق طباعة PDF
( 1 - عدد مرات التقييم )

مدخل:
 في تسعينيات القرن العشرين، قبل وفاة إميل حبيبي بفترة قصيرة، التقيت به مرات عديدة، في نابلس وفي رام الله/ وفي أحد  اللقاءات سألته عن التغيرات التي ألمت به في الفترة الأخيرة من حياته، وتحديداً منذ تركه الحزب الشيوعي الإسرائيلي ( راكاح )، وميله إلى جناح التجديد الذي قاده ( غورباتشوڤ )، وهو ما بدا في كتاب إميل ( نحو عالم بلا أقفاص ) ( )، وأتيت على سيرة محمود درويش وسميح القاسم وما ألم بهما أيضاً من تغيرات دونتها في دراسات ومقالات عنهما، أظن أن إميل اطلع عليها، وكان جوابه: أنا لم أتغير. هما اللذان تغيراً. وقد ذكرتني إجابته بما أورده في روايته " المتشائل "(1974)، في الفصل الثالث " كيف تحول سعيد إلى هرة تموء " من الكتاب الثاني " باقية ":
 " فهتفت به: فأنطقني!
 قال: عد إلى الكتابة إلى صاحبك.
 قلت: أخرجني إلى الناس، وكأنني خارج عن الناس.
 قال: وهل الذي استشعر منهم بمختلف كثيراً عنك، أما أنت فتقمصت هرة. وأما هو فتقمص شاعراً. وكلاكما يهرب حتى يتنفس، ويختنق حتى لا يموت. ومنهم من احترف  الأدب عجزاً. ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه. وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة، وآخرون بالفلسفة، وبأن الزمان حاملهم لا محالة على العقرب القصير، إن لم يكن حاملهم على العقرب الطويل، إلى قيام الساعة، وبأن الشعب غير مؤهل لذلك، وبما إلى ذلك من علل العليل ".
 
 وكان دافعي لسؤال إميل خروجه من الحزب أولاً وقبوله جائزة دولة إسرائيل ثانياً، وجنوحه للأدب أكثر من جنوحه للسياسة، هو الذي أعطى أكثر سنوات عمره للحياة السياسية، لا للأدب. أخذ إميل في آخر سنواته يلتفت إلى الأدب ويقول عكس ما كان يقوله في بداية حياته. كان شاباً يقول: أسند السياسة بالأدب، فإذا ما عجزت عن قول شيء أقوله من خلال نص أدبي، وأخذ كَهْلاً يقول: " أنا صحيح في نهاية الأمر شعرت أن علي أن أحطم إحدى البطيختين، ففضلت " مكره أخوك لا بطل " أن أحتفظ ببطيخة العمل الأدبي. ولكن عليكم أن تسألوني: ومع ذلك نراك مشغولاً بالسياسة. عليكم أن تسألوني هذا السؤال ( )" وسيجيب هو على السؤال الذي طلب من المقابلين أن يسألوه إياه:
 " إنني لا أستطيع أن أتخلص من ماضي السياسة. والسبب الأساسي، الثاني، هو أنني أقنع نفسي أنني أعالج سياسة طالما حلمت بها. وأشعر بمسؤوليتي الشخصية عن مستقبل هذه السياسة. يعني لما جاءت السياسة التي حلمت بها – أتخلى عنها؟! أنا مش عارف !! أنا عموماً لا ألتجئ إلى العمل الأدبي إلا حين أشعر بالاخنتاق ". وسيشعر مراراً بالندم لأنه لم يتفرغ منذ بداية حياته للأدب، هو الذي دخل إلى الحزب الشيوعي عن طريق الأدب، وذلك حين شجعه صادق جراح على دخول الحزب ونشر الأدب في صحافته. " لذلك فأنا حملت البطيختين معاً. وكان ذلك خطأ. لقد أوهمت نفسي بأنني أحمل بطيختين بيد واحدة؛ بطيخة الانتساب السياسي وبطيخة الإبداع الأدبي .... إذا كان لدي ندم، فهذا هو الندم، وأعتقد     أنني كنت أستطيع أن أخدم قضية شعبي العادلة أكثر مما خدمتها وخدمتها، لو اكتفيت     بالعمل الأدبي "( ).

 إميل حبيبي كاتب إشكالي، آمن بالفكر الماركسي واعتنقه طيلة حياته، ومن هذا المنطلق أنجز نصوصه الأدبية، وكتب مقالاته السياسية، وانضوى تحت لواء الحزب الشيوعي ما لا يقل عن أربعين عاماً، خاض خلالها معارك سياسية مع جهات عديدة، إسرائيلية وعربية وفلسطينية، وكان ذلك كله موضع دراسات، اتفق بعض كاتبيها مع إميل فيها، واختلف        آخرون فيما كتبوا معه، وهاجموه هجوماً مراً قاسياً, ويمكن الاكتفاء بإيراد عنواني دراستين تبرزان ذلك، الأول لفيصل دراج في كتابه  " بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية "(1996): إميل حبيبي: الوجه المفقود في الأقنعة المتعددة "( )، والثاني لخضر محجز: إميل حبيبي: الوهم والحقيقة "(2006) ( )، وقد ناقش كلا الدارسين مواقف إميل حبيبي السياسية واختلفا معه اختلافاً ظاهراً بيناً.
 في هذه الورقة لا أريد تتبع آراء إميل السياسية ومقابلتها بما ورد في أعماله الأدبية، فقد تتبعها الدارسان المذكوران، ولن أضيف إلى ما كتبا شيئاً، ولكنني سآتي على إميل مفكراً، في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل "(1974) لأبرز موقفه من الفكر الصهيوني كما تجسد في روايات صهيونية وعلى أرض الواقع أيضاً. قد لا تروق مواقف إميل السياسية للكثيرين، لكن ما لا شك فيه أنه في روايته كان يدحض الفكر الصهيوني القائم على التعالي والاستخفاف بالآخرين.

أولاً:  دحض الفكر الاستشراقي من خلال اللغة:

 من هو بطل رواية " المتشائل "؟ سيثار هذا السؤال بعد قراءة المرء المقابلات التي أجريت مع كاتب الرواية، لا بعد قراءتها. فالقارئ سيقول إن بطلها هو سعيد لا شك في ذلك، وقد يعترض على مفهوم دال البطل، فللدال مفهوم تاريخي اكتسبه. وإذا ما قارن المرء الأبطال التاريخيين بسعيد، فسيقصي عنه صفة البطولة، وربما لا يمنحه إياها إلا إذا غير مفهومه لدال البطولة ومايز بين بطل إيجابي وآخر سلبي، وقد ينعت القارئ، لحظتئذ، سعيداً بالبطل السلبي. وقد يغير القارئ رأيه أيضاً إذا ما قرأ المقابلات التي أجريت مع إميل في فترة متأخرة من حياته، حيث أعاد النظر فيها في أشياء كثيرة، وتكلم بثقة أكبر، ربما أعوزته في شبابه( ).

 هل يخطر ببال قارئ الرواية أن بطلها ليس سعيداً وإنما هو اللغة؟ وهل خطر هذا أصلاً ببال إميل نفسه، يوم ألف روايته ونشرها؟ وإذا كان هذا خطر بباله فمتى تم ذلك؟

 بعد قراءة المقابلات التي أنجزت مع المؤلف يقر بأن اللغة هي بطل الرواية. ولا يعود هذا التغيير إلى اكتشاف ذاتي، بل إلى قراءته المراجعات النقدية التي كتبها نقاد روائيون لأعماله بعد نشرها. وصاحب الرأي عموماً هو الناقد عبد الرحمن ياغي الذي أنجز مقالة عن رواية " اخطية " ذهب فيها إلى أن بطلها هو اللغة. وقد رأى إميل أنها أيضاً البطل في المتشائل، فما الذي جعل إميل يأخذ برأي ياغي؟( )

 حسب قول إميل فإن ياغي يرى أن المتعة تكون عادة في الحبكة، ولكنها في " اخطية " في اللغة. ولقد جرؤ ياغي على القول: خذوا الشعر من إميل حبيبي. وطرب إميل لهذا القول فردده، وقال: لقد علق أحد الأدباء في العاصمة الأردنية على كتابي بقوله: إن بطل هذا الكتاب هو اللغة، وبالفعل لقد أصاب ". والسؤال هو أين تكمن البطولة في اللغة؟( )
 قد يكون ياغي قصد غير ما وضحه إميل في مقابلات عديدة. ربما قصد أن ما يلفت الأنظار في " اخطية " نفسها لغتها. ولمن يحب العربيّة، بخاصة إذا كان تثقف ثقافة عربية قديمة، وإميل يعبدها، فإن لغة إميل تأسره، وربما تجعله يطرب لها أكثر من طربه لأي شيء آخر في " المتشائل ".

 غير أن إميل يرى بطولة اللغة في جوانب أخرى غير المتعة. اللغة هي التي حفظت الوطن الفلسطيني من الاندثار. حقاً إن الإسرائيليين دمروا قرى كثيرة، وغيروا جغرافية المكان، إلا أن نصوص إميل حافظت على الصورة الأولى للمكان وصانته من الاندثار، وهذا ما جعله يقول: " صنعت نصباً تذكارياً لكل قرية دمرت، فهل فعلت ذلك متعمداً. فقلت: نعم. لقد قصدت ذلك، بل وقمت بعملية بحث واسعة( ).

 وفي مقابلة ثانية يقول، رداً علي السؤال: هناك متعة شديدة باستعادة الأماكن والقرى في رواية " المتشائل "، يقول: " أردت بذلك أن أبرز هنا مدى الخسارة، هذا أكثر ما أزعج الإسرائيليين "( ).

 طبعاً علينا أن نتذكر هنا مقولة الصهيونية عن أرض فلسطين: " إنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض "، ولكي تقنع الحركة الصهيونية الآخرين بصدق مقولتها، ولكي تقنع اليهود المترددين أيضاً بصدقها حتى يهاجر هؤلاء إلى فلسطين، فقد عمدت العصابات الصهيونية في العام 1948 إلى أمرين: تهجير السكان الفلسطينيين وهدم قراهم، وفيما بعد إلى تغيير أسماء الأماكن. وقد كانت المتشائل تدحض المقولة والممارسة، وذلك حين أورد صاحبها أسماء القرى المهجورة من ناحية، وحين تحدث عن شتات الفلسطينيين وتفرقهم، وحين عزز حضوره وبقاءه في فلسطين على الرغم من الخازوق الذي تشبث به من ناحية ثانية.

 في " المتشائل " يأتي إميل على اللغة، لا ليقول ما قاله آنفا، فما قاله مارسه فعلاً وهو يكتب، وإنما ليدحض الفكر الاستشراقي الصهيوني، فيما يخص فكرتهم عن إتقان العرب لغتهم. فماذا ورد في " المتشائل " عن اللغة وكيف دحض إميل آراء المستشرقين الصهيونيين؟

 في الفصل الثاني عشر من الكتاب الثاني " باقية "، وعنوانه: " حادث أصعب على التصديق من الموت على الأحياء"، ينشغل سعيد عن ابنه ولاء بالبحث عن الذهب. ويفاجأ في أثناء بحثه بالإسرائيليين يحيطون به، ويحسب أن القيامة قامت. تقعده المفاجأة عن القيام، فيزوغ  بصره، فيما كان الإسرائيليون يفغرون أفواههم ويصرخون في وقت واحد " بكلام لم ألتقط منه سوى شتائم عربية أضحكتني صياغتها غير المألوفة " فضحك سعيد، وأضحكه ضحكه حتى أغرب في الضحك لدرجة تقطعت فيها خواصره " ولم أثب إلى رشدي إلا بعد أن وثبوا عليّ فطرحوني أرضاً فاقد الرشد ".

 والعبارة الدالة هي " شتائم عربية أضحكتني صياغتها غير المألوفة ". يذهب بعض المستشرقين إلى أنهم يعرفون العربيّة أكثر من معرفة أبنائها بها، وقد يتمادون في زعمهم فيقولون: إن العرب لا يعرفون لغتهم.

 وسيواصل سعيد دفاعه عن إلمام أبناء قومه بلغتهم في الفصل الثاني من الكتاب الثالث " يعاد الثانية "، وعنوان الفصل: كيف أصبح علم الاستسلام، فوق عصا مكنسة، علم الثورة على الدولة ".

 يفرط سعيد في ولائه للدولة العبرية، حتى يصبح الإفراط في عرف الإسرائيليين تفريطاً. يعلن هؤلاء في حرب حزيران 1967، بعد انتصارهم، من خلال إذاعتهم، يعلنون انتصارهم ويطلبون من أهالي المناطق المحتلة رفع الأعلام البيض حتى يأمنوا قصف الدبابات والطيران الإسرائيلي، فإذا بسعيد، وهو من حيفا، يرفع العلم الأبيض فوق سطح منزله، ما يجعل الدولة الإسرائيلية تشك في ولائه لها، وهكذا يقتاده رجال الأمن إلى السجن. وحين يحاول أن يبرر ما قام به، إذ يعزو الأمر إلى فهمه الإعلان، يهاجم الإسرائيليون العرب الذين لا يعرفون لغتهم. وسيرد سعيد هنا عليهم. سوف أقتبس النص التالي لبيان رد سعيد / إميل على هذه الفرية الاستشراقية:
 " فقلت إنني رفعت الشرشف على عصا المكنسة ملبياً أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية. قال: حمار، حمار! قلت: ما شأني إذا كان حماراً؟ ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوى الحمير؟ فأفهمني أن المعني بالحمار هو أنا. أما مذيعو القسم العربي في محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب، ولذلك أساؤوا صياغة النداء، فالتبس الأمر عليك، يا أحمق ".

ويواصل سعيد:
 " فدافعت عن بني قومي الذين يعملون في محطة الإذاعة قائلاً: ما على الرسول إلا البلاغ. يهتفون بما يلقنون ".

 كأنما إميل هنا يقول: أنتم الذين لا تعرفون العربيّة، وأنتم الذين تسيئون الصياغة، لا أبناء قومي. بل إنه يقول هذا، وإذا ما التفتنا ثانية إلى الفقرة الأولى " لم ألتقط سوى شتائم عربية أضحكتني صياغتها غير المألوفة " اتضح لنا دحض سعيد / إميل للفكرة التي تقبع في أعماق بعض المستشرقين.

 طبعاً يستثني إميل اليهود العرب، فهؤلاء يتقنون العربيّة. في الفصل التاسع من الكتاب الثالث " يعاد الثانية "، وعنوانه: عودة يعاد إلى البيت القديم "، تستغرب يعاد إتقان اليهود العربيّة ظانة أنهم يهود قادمون من أوروبا فيقول لها سعيد: " بل هم قادمون من بلاد العرب ولم يتغير عليهم شيء حتى ولا الشتيمة – يشتمون ويشتمون بلغة الضاد ".

 ثمة وجه آخر لدحض الفكر الاستشراقي فيما يخص اللغة. يأتي سعيد / إميل في الفصل الثالث عشر من الكتاب الأول " يعاد "، وعنوانه: " كيف أصبح سعيد زعيم عمال في اتحاد عمال فلسطين " على إتقانه هو الإنجليزية أكثر من إتقان اليهودي لها، فيقول:
 " ولكنني لن أطيل عليك السرد يا محترم، فقد دخلت مركز البوليس في عكا في الساعة السابعة صباحاً بالضبط كما أمروني. فسألت عن سيدي الحاكم العسكري الذي سيحملني إلى حيفا. فجعلوني أنتظر حتى الرابعة مساءً دونما طعام أو شراب سوى قدح من الشاي قدمه لي جندي شاب حدثني باللغة الإنجليزية، فرددت عليه بأحسن منها ".

 العربي يتقن الإنجليزية أكثر من إتقان الجندي اليهودي لها، بل إنه سيتقن أيضاً العبرية. في الفصل الخامس عشر من الكتاب الأول " يعاد "، وعنوانه " الدرس الأول في اللغة العبرية " يأتي سعيد على تعلمه العبرية، وسيخبرنا أن الأمر أخذه عشر سنين حتى ألقى أول خطاب تحية باللغة العبرية، وكان أمام رئيس بلدية حيفا، فسجلها في صحيفته سابقة. وليس سعيد العربي الوحيد الذي يتعلم العبرية فيجيدها، فـ " أما العجيب في الأمر الآن فهو أن صباني نابلس بعد ربع قرن من هذا الكلام، أتقنوا اللغة العبرية في أقل من سنتين ".

 وإميل الذي كان ماركسياً وينظر إلى الصراع من منظور طبقي، عزا سبب تعلم هؤلاء التجار العبرية وإتقانها إلى مصالحهم، فكتب: " ولما تحول أحدهم إلى صناعة الرخام علق على مدخل جبل النار لافتة بالخط الكوفي المقروء جيداً عن مصنع الشايش " الحديث لصاحبه مسعود بن هاشم بن أبي طالب العباسي. و " الشايش " هو الرخام بالعبرية. فليست الحاجة أم الاختراع فقط، بل أيضاً مصلحة كبار القوم التي أرخصت أمهاتهم، فقالوا: الذي يتزوج أمي هو عمي! ومن مصالحهم أيضاً أن يحولوا بين العامة والاتفاق على لغة مشتركة، حتى ولو كانت الاسبرنتو، لكي لا يحولوا بينهم وبين ملكهم ".

 وسيتحدث سعيد نفسه، مع الضباط، حين يقتادونه إلى السجن بالعبرية الفصحى. وإذا كان هو أتقن الإنجليزية والعبرية، ولا شك في إتقانه العربيّة إتقاناً تاماً فإن العامل اليهودي يجهل العبرية. في الفصل السادس عشر من الكتاب الأول: " يعاد "، وعنوانه: " كيف لم يعد سعيد أبو النحس تيساً " نقرأ:
 " ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد – أي عند إتقانه العبرية وإتقان صباني نابلس   لها – فقد رحت أتعجب من جهل العامل اليهودي باللغة العبرية حتى أقنعت نفسي بأن هذه الدولة ليست بنت معيشة. فلماذا لا أحفظ خط الرجعة ".
وستكون رواية المتشائل كلها ذات لغة عربية كلاسيكية متينة ربما لم ينجز، حتى اللحظة، نص أدبي فلسطيني مثلها.

 

 

ثانياً: أكذوبة التعايش وتقبل الآخر والاعتراف به

 في كتابه " أرض قديمة جديدة ( ) " لا ينكر ( هرتسل ) وجود سكان في فلسطين. فبطله، حين يزور القدس ويافا، يبدي امتعاضه من أحوال السكان وما هم عليه من فاقة وفقر وتسول وبؤس، ولا تروق له الأحوال، ويتخيلها – أي فلسطين – بعد عشرين سنة من استيطان اليهود الصهاينة وقد تحولت إلى جنة تفيض بالسمن والعسل، وقد غدا سكانها، ومنهم العرب، أفضل حالاً مما هم عليه بما لا يقارن.
 هكذا، إذن، لا ينفي ( هرتسل ) وجود سكان في فلسطين. لا تخلو روايته من نماذج منهم، ذكرية ونسوية، والنموذج الذي يطالعنا هو رشيد بك الذي لا يقف ضد استيطان اليهود في فلسطين. إنه يرحب بهم ويرى فيهم من سيجلب الحضارة إلى البلاد، فهم حاملو شعلة النار والحضارة، وإن كان احتج قليلاً على ادعاء بطل الرواية بأن فلسطين مستنقعات.

 ولا يظهر بطل ( هرتسل ) مشاعر سلبية إزاء رشيد بك، ولا يفكر في طرده من فلسطين، لتكون دولة للشعب اليهودي فقط، وإن كانت الحركة الصهيونية رفعت شعار: أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض. وهو شعار برز في أدبيات صهيونية لاحقة، حاولت الحركة الصهيونية من خلاله إقناع يهود المنفى بالهجرة إلى فلسطين. وسيكون هذا الشعار حافزاً لإميل لكتابة روايته " المتشائل ".

 يذكر إميل في أكثر من مقابلة معه أنه استقال من الكنيست للتفرغ لكتابة الرواية، فقد زعم أحد الوزراء الإسرائيليين، وهو ( يغئال ألون )، حين كان وزيراً للمعارف في مطلع ستينيات ق20، ما يلي: " لو كان هناك شعب عربي فلسطيني في يوم من الأيام لكان خلف وراءه أدباً "( ). وسيعتقد إميل بعد كتابة المتشائل أنه قدم فيها أدباً سيعيش أكثر مما عاشت، ومما سوف تعيش، أيديولوجية العنصرية.

 وستأتي " المتشائل " على ما قام به مؤسسو دولة إسرائيل من طرد الفلسطيني وإبعاده عن أرضه، في غير موقع. فحين تعود يعاد إلى بلدها يطردها رجال الأمن، كما طردوا في العام 1948 مئات آلاف السكان وسووا قراهم في الأرض.

 يتوقف سعيد أمام أفعال الصهيونيين وطردهم السكان في مواطن كثيرة من روايته. ويمكن تبيان ذلك من خلال مثال، على سبيل المثال فقط، ففي الفصل السادس من الكتاب الأول " يعاد "، وعنوانه: كيف شارك سعيد في حرب الاستقلال لأول مرة ". يصف سعيد ما فعله أبو اسحق بامرأة قروية فلسطينية كان معها وليدها. عادت هذه تسللاً إلى قريتها البروة، فرآها أبو اسحق، وخاطبها قائلاً:

 " ألم أنذركم أن من يعود إليها يقتل؟ ألا تفهمون النظام؟ أتحسبونها فوضى. قومي  اجري أمامي عائدة إلى أي مكان شرقاً. وإذا رأيتك مرة ثانية على هذا الدرب لن أوفرك " وهكذا يطردها إلى خارج فلسطين.
 وسيستحضر سعيد ما قاله محمود درويش بعد 15 سنة من النكبة:
 أهنئ الجلاد منتصراً على عين كحيلة
 مرحى لفاتح قرية، مرحى لسفاح الطفولة
و:
 نحن أدرى بالشياطين التي
 تجعل من طفل نبيا

وسيعلق سعيد على قول شاعر البروة قائلاً:
 " لم يدر إلا أخيراً، بأن هذه الشياطين نفسها تجعل من طفل آخر نسياً منسيا ".
 لكأن سعيداً هنا، ومن ورائه إميل، يقول: أين هو التعايش الذي يدعو إليه الإسرائيليون؟ وأين هو تقبل الآخر الذي بدا في رواية ( هرتسل )؟ وسيقول للوزير الإسرائيلي: لقد كان هناك شعب وطردتموه وجعلتم منه نسياً منسيا.

تحويل فلسطين إلى جنة:
 ليست رواية ( هرتسل ) وحدها التي تبرز فلسطين، بعد غياب اليهود عنها ألفي سنة، أرضاً حولها من أقام فيها إلى أراض خربة ومستنقعات يكثر فيها الذباب وتتكاثر فيها الحشراتـ ما يؤدي إلى شيوع الأمراض. فهناك روايات أخرى صهيونية سار كاتبوها على منوال ( هرتسل )، بل وبالغوا في الوصف حتى فاقوا معلمهم. وقد أتى غسان كنفاني في كتابه " في الأدب الصهيوني "( ) على هذه الروايات، وأبرز فيه الصورة التي رسمها الأدباء الصهيونيون لفلسطين. ولم يكتف بهذا، فقد كتب روايته " عائد إلى حيفا " لتكون في جانب منها رداً على الادعاءات الصهيونية( ).

 وسيواصل صاحب " المتشائل " ما قام به كنفاني، ويمكن الاكتفاء بمثلين اثنين من الرواية لتبيان دحض إميل الادعاءات الصهيونية.

 في الفصل الرابع من الكتاب الثاني " باقية "، وعنوانه: " كيف سبقت العروبة الأصلية، بالتشمير، عصر التشمير " يأتي سعيد على لقائه بالطنطورية التي سقطت قريتها الطنطورة، وزارت أخوالها في قرية جسر الزرقاء التي صمدت لدواهي الحرب والترحيل مع أختها – فريديس – الفردوس – المجاورة، لما قبض الريح بقية القرى العربيّة على الساحل، ما بين حيفا وتل أبيب – الطيرة واجزم وعين غزال والطنطورة وعين حوض وأم الزينات ...، ويفيض سعيد في الحديث / الكتابة عن الفريديس ومستوطنة " زخرون يعقوب " التي انصرف أهلوها القادمون من أوروبا إلى صناعة النبيذ الجيد، ولم يمانع أهل هذه المستوطنة من تشغيل العمال العرب، وكانوا يختلفون عن إخوانهم الصهيونيين من ذوي العمل العبري النقي، الصافي. وقد اختلف آباء زخرون يعقوب يوماً وأثاروا السؤال التالي: هل من الحق، شرعاً، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت أم أن الأمر عمل، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت، شرعاً، فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم، هل الأمر عمل أم لذة. ففكر الحكم طويلاً، ثم حكم أنه لذة. وحين طلبوا منه البرهان أجابهم: لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب – الفرادسة!

وسنجد سعيداً يقول ما يلي، مادحاً العمل العربي:
 " فمن شيد المباني الشاهقة في هذه البلاد، وشق طرقها العريضة، وزفتها، وأحكم الاستحكامات، وحفر الملاجئ؟

 ومن زرع القطن، ثم جناه، ثم حلجه، ثم نسجه .... من شيد المباني وشق الطرق وحرث الأرض وزرعها، في إسرائيل، غير العرب الباقية في إسرائيل؟ ,,,, "

 وفي الفصل الثالث من الكتاب الثالث " يعاد الثانية "، وعنوانه حديث شطط في الطرق إلى سجن شطة " يجري حوار بين سعيد والذين اقتادوه إلى سجن شطة. وحين يسأل سعيد محدثه بأي شيء تعاقبون العرب المذنبين يا سيدي؟ يرد عليه: " هذا هو ما يحيرنا، ولذلك قال الوفنا الوزير إن احتلالنا هو ارحم احتلال ظهر على وجه الأرض منذ تحرر الجنة من احتلال آدم وحواء ". ويتابع: " بل إن هناك من كبارنا كباراً يعتقدون بأننا نعامل العرب داخل السجون معاملة أفضل منها خارج السجون. والأخيرة ممتازة كما تعلم، وهؤلاء الكبار موقنون أننا بذلك، نشجعهم على الاستمرار في مقاومة رسالتنا الحضارية في المناطق الجديدة، مثلهم مثل الإفريقيين آكلة لحوم البشر الذين كفروا بالنعمة ".
 
ويسأل سعيد معلمه قائلاً: كيف، يا معلمي الكبير، فيرد عليه معلمه: خد لك مثلاً عقاب الأبعاد إلى ما وراء النهر، فنحن ننزله بهم وهم خارج السجن، فإذا دخلوا السجن ثبتوا فيه ثبوت الاحتلال الإنجليزي.
قلت: ما شاء الله!
قال: ونهدم بيوتهم خارج السجن، أما في داخلها فيعمرون وينشئون.
قلت: ما شاء الله! ولكن، ماذا يعمرون؟
قال: سجوناً جديدة وزنازين جديدة في السجون القديمة ويزرعون من حولها الأشجار الظليلة؟
قلت: ما شاء الله! ولكن، لماذا تهدمون بيوتهم خارج السجون؟
قال: لنقطع دابر الجرذان التي عششت فيها فننقذهم من الطاعون.

 ويستمر الحوار بين سعيد ومعلمه وهما في الطريق إلى سجن شطة، وحين يرى المعلم الأرض الخضراء، وسعيد يمشئل، يقول المعلم:
 " الخضرة، الخضرة على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان. أحيينا الموات وأمتنا الحيّات ( وكان يعني الأفاعي )، ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم " الخط الأخضر ". فما بعدها جبال جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدنية ".

ويتابع معلمه قائلاً:
 " ولو كنت معي، يا ولد، حين عبرنا طريق اللطرون نحو أورشليم، لرأيت أمامك الخط الأخضر مرسوماً بالفعل على الطبيعة نفسها بخضرة جبالنا المكسوة وأشجار الصنوبر، الشجرة تخاصر الشجرة والغصن يصافح الغصن في ظلها يتعانق المحبون. ثم كنت سترى، قبالة جبالنا المكسوة، جبالكم العارية حتى بلا أسمال تخفي عوراتها المكشوفة صخوراً ظلت تبكي ربع قرن حتى سَحَّت عنها كل التربة ".
 " ألهذا هدمتم قرى اللطرون، عمواس ويالو وبيت نوباً، وشردتم أهاليها، يا معلمي الكبير؟ "
 
وإجابة سعيد فيها قدر كبير من السخرية. كأنه يقول له إن ما تبنونه يقوم على خراب بلاد آخرين وتشردهم.
 
على أن المهم هو ما ورد على لسان معلم سعيد، فهو يلخص طروحات الفكر الصهيوني الذي تمثل في رواية ( هرتسل ):" أرض قديمة جديدة " والروايات الصهيونية التي نسجت حبكتها على منوالها، مثل رواية     ( آرثر كوستلر ): " لصوص في الليل "، ورواية  (ليون إوريس ): " الخروج – اكسودس ".

 في رواية ( هرتسل ) والروايات التالية لها تبدو فلسطين قبل مجيء الرواد الصهيونيين لاستصلاحها أرضاً خربة ومستنقعات تسبب الكوليرا، يعاني سكانها من الفقر والمرض. ولن يجعل منها جنة تفيض سمناً وعسلاً إلا القادمون الجدد – أي الصهيونيين.

وإذا ما تذكرنا ما أوردناه قبل قليل على لسان سعيد عن العمال العرب عرفنا أن إميل يرد على الفكر الصهيوني وطروحاته، ولم يكن أول من يفعل هذا، فقد سبقه غسان كنفاني في روايته " عائد إلى حيفا "(1969 ) ( ).

ثالثاً:  دحض الشعور بالتميز والاختلاف والتفوق

 لاحظنا، من قبل، افتخار معلم سعيد بما قام به اليهود في فلسطين: أحيينا        الموات وأمتنا الحيات / الأفاعي. ومن يقرأ الأدبيات الصهيونية يلحظ تركيزها على تميز اليهود واختلافهم وتفوفهم. وكان كنفاني أتى على هذا في كتابه " في الأدب الصهيوني " حين درس الروايات الصهيونية. ولاحظنا أن ( هرتسل ) كان الرائد في هذا، فقد ركز على أن  فلسطين ستغدو، بعد عشرين عاماً من السيطرة عليها،جنة. وقد اقتفى أثره ( آرثر كوستلر )  و ( ليون أوريس ) وآخرون. وقد دفعت هذه التصورات للكتاب الصهيونيين عن اليهود كنفاني للرد عليها، وذلك في روايته " عائد إلى حيفا ".

 ينطق كنفاني بطله سعيد.س بالعبارة التالية رداً ما أبدته زوجته صفية من إعجاب    بما آلت إليه حيفا بعد عشرين عاماً من احتلال اليهود لها: " كان بإمكاننا أن نجعلها أفضل بكثير "( ) كأن كنفاني يدحض  فكرة شعور اليهود بالعصمة والجدارة أمام عدم جدارة الشعوب الأخرى. فهل برز في " المتشائل " شيء من هذا؟

 في الفصل التاسع من الكتاب الأول " يعاد "، وعنوانه: " الإشارة الأولى من الفضاء السحيق " يلتقي سعيد بمعلمه العربي في جامع الجزار، ويجري، ما بين الاثنين، حوار يخبر فيه الأستاذ تلميذه عن رأيه في اليهود، ومما قاله: " والحقيقة، يا ولدي، أنهم ليسوا أسوأ من غيرهم في التاريخ " ويتابع: " حقاً إنهم هدموا القرى التي ذكرها القوم وشردوا أهلها، ولكن، يا ولدي، إن في قلوبهم لرأفة لم يحظ بها أجدادنا من الغزاة الذين سبقوهم ". ويقارن الأستاذ ما فعله الصليبيون بما يفعله الإسرائيليون، فالأولون يوم فتحوا عكا في العام 1104 ذبحوا السكان، ولم يفعل الإسرائيليون هذا في العام 1948. دخل الصليبيون الجامع وذبحوا من فيه، ولم يدخله الإسرائيليون – وحين يسأل التلميذ أستاذه إن كانوا سيدخلون الجزار كما دخل الصليبيون مسجد عمر، يجيبه الأستاذ:
 " حاشا وكلا يا بني، بل يقرعون الباب فنخرج نحن إليهم، إنهم لا يدنسون حرمة دور العبادة، بل إن لهم في خارجها، متسعاً لهذا الأمر "، وحين يخاطب جندي من احتمى بجامع الجزار طالباً منهم الخروج، لأن الجيش سيعيدهم إلى قراهم، يخرج المحتمون فيجدون حافلات ضخمة تقلهم وأولادهم إلى الحدود، لا إلى قراهم، " فالذي هدم قرانا لا يعيدنا إليها ".

 يعقب إميل نفسه على هذه الحادثة، قبل موته بشهر، حين يسأله أحمد رفيق عوض عن الأنفاق التي مشى فيها سعيد في العام 1948، يعلق قائلاً:
 " هذه الأنفاق موجودة حتى الآن. أردت أن أقدم للقارئ، بالإضافة إلى المتعة الأدبية الفنية، بعض المعلومات التاريخية. هذا ما جعلني أدخل معلومات تاريخية مثل قضية الصليبيين. في الأنفاق أردت أن أبرز شيئاً وهو أن الصليبيين كانوا يذبحون المسلمين في المساجد وفي بيوتهم. أما الإسرائيليون فليس بهم حاجة إلى الدخول إلى البيوت والمساجد، لأننا نحن نخرج إليهم، فيقتلوننا في الخارج. في إسرائيل يقولون، أنه لا يوجد قانون إعدام. ما حاجتهم إلى قانون إعدام إذا كانوا يعدمون الناس بلا قانون. أنا أحاول دائماً أن أرد رداً إنسانياً على حجج الصهيونية "( ).

 هل ما ورد على لسان المعلم يختلف عما يرد على لسان بعض قادة إسرائيل ومفكريها؟

 في الفصل السادس عشر من الكتاب الأول " يعاد "، وعنوانه " كيف لم يعد سعيد أبو النحس تيسا؟ يأتي سعيد على قصته مع رجل مخابرات إسرائيلي نقل إليه حواراً جرى بين سعيد وابن عم له، كان على صلة مع الإسرائيليين. ويعقب رجل المخابرات على ما قاله لسعيد:
 " ليكن هذا درساً لك، ولتعلم أنه لدينا وسائل حديثة نضبط بها حركاتك وسكناتك حتى ما تهمس به في أضغاث أحلامك، وبأجهزتنا الحديثة نعرف كل ما يدور في هذه الدولة وخارجها، فلا تعد إليها مرة ثانية ".
 يدرك سعيد أن الحوار لم ينقل لأن الإسرائيليين يملكون الوسائل الحديثة، وإنما عرفوا به لأن الوزير الباذنجاتي ابن عمه – ومعه جرى الحوار – هو من نقله إليهم،  وهنا يقول سعيد:
 " والله العظيم أستطيع أن أذهب أنّى شئت، وأستطيع أن أفكر بما شئت، ولكنني كنت تيساً حين طرقت باب الباذنجاني. وكان والدي، رحمه الله، محقاً. كان دائماً يغلبني في وقعة النرد، حتى إذا قلت له: أنت غلاب بها يا أبي، قال: لا يا بني، بل إن كل أصحابي يغلبونني، ولكنك تيس! ولما قررت ألا أبقى تيسا، لم أخبر الرجل الكبير برأيي في جهازه الحديث ".

 إن ذكاء اليهود وتظاهرهم بمعرفة كل شيء لأنهم متفوقون تكنولوجيا كذبة كبرى. هكذا يكتشف سعيد الأمر. وبعد سنوات من دحض إميل هذا الادعاء، سنجد عاموس هرئيل يكتب مقالاً عنوانه " أسرار من عالم العمل القذر "( ) يعلن فيه أن نجاح المخابرات الإسرائيلية في تحقيق أهدافها في غزة والضفة لا يعود إلى وسائل حديثة، وإنما يعود إلى المتعاونين الفلسطينيين معها.

يعزز إميل سطره الأخير الوارد في الفقرة المقتبسة السابقة بسطرين يردان في الفصل السابع عشر من كتاب " يعاد "، وعنوانه: " هل كان سعيد هو رأس الخيش ":
 " أصبح رأيي في جهازه مقرراً، فلو كان يستطيع، حقاً، أن يحصي على حركاتي وسكناتي لكان سجل علي لقائي الغريب برجل الفضاء، ولكنه لم يفعل ".
 
وسيظل سعيد يذكر الجهاز ليرد على ادعاء رجل المخابرات الإسرائيلي، ففي الفصل العشرين من الكتاب الأول " يعاد "، وعنوانه: " الجرح المفتوح " يأتي على الورقة التي أرسلتها يعاد إليه مع أحد المتسللين، وقد ظل يحتفظ بها دون أن تعلم بها المخابرات:
 " فإذا هي رسالة منها لم أقرأها إلا بعد أن وثقت من خلو المكان من الجهاز، وهي الورقة السرية، الوحيدة التي احتفظت بها طول هذه الأعوام العشرين لكي أقنع نفسي بأنني قادر على تحدي الجهاز، ولأنني اعتبرتها عقد زواج ".
 وسيسخر بوضوح من قصة الجهاز، بل وسيتهكم عليه: " فلما وقعت حرب الأيام الستة وصار مرسال المراسيل يهتف: " نصر من الله وفتح قريب "، لم أعد أبكي على يعاد بل على حالي، وبدون أي خوف من الجهاز، لأن الجميع تجهز ".
 
كان هناك وزير عربي واحد، هو الباذنجاني، يعطي المعلومات للإسرائيليين، أما بعد العام 1967 فقد تجهز الجميع، وغدوا مثل ابن عمه الذي أفشى أسراره لرجال المخابرات الإسرائيلية.
 
وستبرز ادعاءات إسرائيل بعدم جدارة الشعوب الأخرى، وهم هنا العرب، حين يخاطب كبير الضباط، في الفصل السادس من الكتاب الثالث " يعاد الثانية "، وعنوانه  " سعيد ينشد أنشودة السعادة "، سعيداً قائلاً:
 " لو كنت في بلد عربي هل كنت تجرؤ على التباهي بورقة الإقامة الجبرية. إن دمقراطيتنا لا تصلح لكم ".
 
وعبارة " دمقراطيتنا لا تصلح لكم " هي خبر دليل على قناعة الفكر الصهيوني بعصمة اليهود أمام عدم جدارة الشعوب الأخرى. ولا يرد سعيد هنا، فالكتاب كله رد على هذه الفرية.
 


 

 
كاتب هذا المقال: قدمها أ.د. عادل الأسطة: مؤتمر جامعة البتراء

جديد منتدى المعهد العربي

إشترك الآن للحصول على النشرات الدورية


آخر المقالات

الأكثر قراءة