نوارس أدبية

السبت
مايو 19
English Bulgarian Chinese (Simplified) Chinese (Traditional) Croatian Czech Danish Dutch Finnish French German Greek Hindi Italian Japanese Korean Polish Portuguese Romanian Russian Spanish Swedish Filipino Latvian Lithuanian Serbian Slovak Ukrainian Vietnamese Albanian Hungarian Thai Turkish

ملائكة وشياطين

إرسال إلى صديق طباعة PDF
( 0 - عدد مرات التقييم )

لا يمكن أن يذكر اسم الروائي الأميركي الأشهر حالياً دان براون إلا و يخطر على بال كل قارئ لأعماله أو على الأقل متابع لأصداء أعماله الضجة الهائلة التي تصدر من الكنيسة الكاثوليكية تجاهه شجباً وإدانة .

عندما يذكر اسم دان براون على الفور تُذكر روايته الشهيرة ” شيفرة دايفنشي “. هناك من قال بأن شهرة دان براون حدثت بعد الأصداء المثيرة لمغامرة البروفسور روبرت لانغدون في تلك الرواية وإدانة الفاتيكان لها بسبب مس المؤلف لخصوصيات في الديانة المسيحية.
 

دان براون بالنسبة لي ليس مرتبط بشيفرة دايفنشي. صحيح أن الرواية جميلة وخفيفة الإيقاع, إلا أنها لا يمكن أن تكون بنفس قوة رواية دان براون الأكثر إثارة و روعة: رواية ملائكة وشياطين. قرأت الرواية فور صدور الترجمة العربية من الدار العربية للعلوم قبل أربع سنوات, وها أنا اليوم أعيد قراءة الرواية من جديد, بمناسبة الفيلم الصادر حديثاً Angels and Demons من بطولة النجم الأمريكي توم هانكس.

الرواية بداية هي رواية بوليسية. يعيدني تصنيف الرواية إلى أحد فصول حاشية اسم الوردة للمفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو.” الميتافيزيقيا البوليسية “. لا يمكن بأي حال أن أقارن بين اسم الوردة وملائكة وشياطين. من بدأ بكتابة مثل هذه الروايات في أجواء دينية وتاريخية و بعمق فلسفي رهيب هو أُمبرتو إيكو بلا شك. في الكتابة الفلسفية يتفوق إيكو بدرجة رهيبة, وهو عائد بلا شك إلى تبحره في القرون الوسطى. ولكن في الخاصية البوليسية للرواية, لا أتوقع أن يتفوق إيكو على دان براون . أمبرتو إيكو بداية رفض الإجابة بعد صدور روايته بفترة عن أسئلة يصفها بالتافهة, مثل: هل رواية اسم الوردة رواية تاريخية؟ كانت رواية اسم الوردة بوليسية, أو سينمائية كما يصفها إيكو: أعتقد أن الناس يحبون الروايات البوليسية، لا لأن فيها جرائم وأن النظام ينتصر في النهاية على النظام الخطأ ” النظام الثقافي والإجتماعي والأخلاقي”. إذا كانت الرواية البوليسية تثير إعجاب الناس، فلأنها تمثل قصة تخمين في حالتها الخالصة. ولكن ألا يمثل الفحص الطبي، أو البحث العلمي أو التساؤل الفلسفي حالات تخمين؟. إن مسألة الفلسفة الأساس في واقع الأمر هي نفسها في الرواية البوليسية ” كما هو الحال أيضا في التحليل النفسي” : من المسؤول؟ من أجل معرفة ذلك ” أو الاعتقاد في معرفة ذلك ” يجب أن نفترض أن كل الوقائع يحكمها منطق، ذلك الذي فرضه عليها المتهم. فكل قصة بحث وتخمين تحكي لنا عن شيء يوجد بجانبنا باستمرار” . وهذا ما يفسر بوضوح لماذا تتشعب القصة الأساس ” من هو المجرم ؟” إلى قصص أخرى كلها قصص لتخمينات، تتمحور كلها حول التخمين باعتباره كذلك.

في أحد المراكز العملية الشهيرة في سويسرا تحدث جريمة قتل لأحد أهم العلماء الفيزيائيين. لم يتم استدعاء الشرطة للتحقيق في الجريمة, بل تم استدعاء البروفسور روبرت لانغدون, عالم الرموز الدينية من أجل التحقيق في الشعار الذي وسُم به العالم القتيل. ما يتكشف عن هذا الوسم شيء لا يصدق في هذا القرن: منظمة قديمة جداً تدعى الطبقة المستنيرة تسعى لأخذ الثأر من الكنيسة الكاثوليكية, وتبدأ الإثارة في هذه الرواية التي لا تتوقف عن الإثارة في كل صفحة.

الرواية تسير بثلاثة خطوط متساوية في القيمة والنتاج, و تشكل البنية الأساسية لرواية ملائكة وشياطين. هناك الخط البوليسي والنفس المتسارع لمحاولة كشف سلسلة الجرائم المتتالية , ومن جهة ثانية هناك المسار الفني, وهو الذي أعطى الرواية عمقاً جمالياً ومتناسقاً مع الخط البوليسي. في الرواية نشاهد تفسيرات مثيرة لأعمال فناني عصر النهضة, مايكل أنجلو و رافائيل وفنانين عظماء آخرين. وهناك التحف الفنية والأقبية المذهبة والكنوز الفنية و العلمية في أرشيف الفاتيكان السري كأعمال غاليليو غاليلي. أما من الناحية الفكرية فهي التي تشكل الضلع الثالث والأهم في الرواية, وهو صراع الدين والعلم. في الحقيقة, أن الخط البوليسي والخط الفني لم ينشأ إلا من أساس الخط الفكري المتمثل بهذا الصراع بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية.

في أحد أكثر مشاهد الرواية إثارة و قوة هو المشهد الذي خرج فيه السكرتير البابوي ليعلن لتلك الجماعة الثائرة من الفاتيكان أنها قد انتصرت: العلم هو الإله الجديد! يتحول هذا الخطاب ذو المحتوى الرمزي الهائل إلى إدانة العلم الذي قدم للبشرية الشيء الكثير, لكنه لم يقدم صياغة حقيقية لكيفية علاقة الإنسان مع العلم: أقصد الأخلاق. هناك الأسلحة المتطورة جداً, والتجارب الطبية القادرة على إحداث الثورات في التاريخ المقبل: أي نظام أخلاقي يقدمه العلم للإنسان, من أجل أن يستخدم هذا العلم بطريقة سليمة و بدون مخاطرة. أين هو الشر وأين الخير. أصبحت وسائل الإتصال السريعة هي الطريقة الحديثة, بدل أن يذهب الأقارب والأهل لزيارة بعضهم. كان السكرتير البابوي يتحدث وكأن العلم هو الشيطان الذي صادر النظام الأخلاقي في نفس الإنسان و زرع في عقله هذه الآلات والتكنولوجيا التي أفقدت الإنسان الإيمان بالله: بشعار المسيح الإلهي: إذا صفعك على خدك الأيمن, أدر له الأيسر.

أتذكر في القراءة الاولى قبل أربع سنوات أن المشهد الأخير من الرواية هو من أجمل المشاهد الختامية لرواية صادرة حديثاً. إنها مثيرة وتحبس الأنفاس, تجعلك لا تصدق أن ما حدث قد حدث. ثم, بعد أن تستمر القراءة يتكشف لك سر هذا الحدث العظيم الذي حدث فوق سماء الفاتيكان. كل شيء كان خدعة. من هم الملائكة في الرواية؟ من هم الشياطين في الرواية؟. كل شخصيات الرواية الأساسية هم ملائكة و شياطين. ومن يريد معرفة ذلك عليه بقراءة هذه الرواية المثيرة. أسجل ل دان براون براعته في حفر شخصية أدبية خيالية في أذهان القراء: شخصية البروفسور روبرت لانغدون. أصبح مثل شخصية شرلوك هولمز, أشهر محقق خيالي في العالم.

ليس لدي تعليق على الفيلم بما أني لم أشاهده حتى الآن. أنا متحمس لمشاهدته, كيف ستكون جرائم القتل, وكيف سيظهر روبرت لانغدون والعالمة فيتوريا, والأهم: كيف ستكون شخصية السكرتير البابوي؟ لو استطاع الفيلم أن يجسد المشهد الأخير من الرواية, مشهد سماء الفاتيكان, سيكون الفيلم مطابقاً للرواية بالتمام.

* سيصدر في الخامس عشر من سبتمبر هذه السنة رواية دان براون الجديدة. رواية الرمز المفقود The Lost Symbol. وسيكون روبرت لانغدون حاضراً للمرة الثالثة في أعمال دان براون الروائية.
 

آخر تحديث ( الاثنين, 18 يناير 2010 23:54 )  

جديد منتدى المعهد العربي

إقرأ أيضاً

إشترك الآن للحصول على النشرات الدورية


آخر المقالات

الأكثر قراءة