في مفهوم الأله:
لا شك ان جوهر المسيح المزدوج- الطبيعية الآلهية والطبيعة البشرية- شكّل لغزًا ليس فقط للكاتب اليوناني الإغريقي كازانتراكيس، وإن كان هذا الكاتب كغيره من البشر، أحبَّ جسده ولم يُرد له أن يفنى، وأحبَّ روحه ولم يُرد لها أن تبلى كما قال. وقد سعى إلى عملية المصالحة فيما بينهما فأراد لهما ان يتصالحا وينسجما، فيبتهج ! (ص5).
وكان عليه ان يسعى ايضًا إلى تقويتهما.. فالله لا يُحب الأرواح الضعيفة والأجساد الرخوة (ص6)، فنحن البشر لا نصارع ولا نقاتل وحدنا لأنه هو يقاتل معنا دائمًا.
إن الإغراء الأخير كان بإنتظار المسيح على الصليب "وأمام عيني المصلوب كشفت روح الشر، في لمح البصر، الرؤى الخادعة للحياة السعيدة الوادعة." (ص7). يُصلب المسيح بحسب إعتقاد الكاتب ولم يستسلم للغواية، وكان بذلك مثالًا ساميًا للإنسان المقاوم الذي عندما يموت يتلاشى الموت إلى الأبد.
لذلك يرى كازانتزاكيس ان هذا الكتاب ليس سيرة حياة المسيح إنما هو إعتراف كل إنسان مكافح حتى النهاية إعجابًا وحبًا لتلك الشخصية.(ص8).
هكذا يقول الكاتب في مقدمة الرواية.. ثم يضيف بالتالي أن " الرب روح، والروح يجب ان لا تعبد إلّا بالروح" (ص307) و... "تحدث الأشياء العظيمةحين يتّحد الرب بالإنسان. فبدون الإنسان لن يكون للرب إهتمام بهذه الأرض...(لأن الله)"نفخ في روح الإنسان واهبًا ايّاه القوّة والجرأة لمواصلة الخلق" (ص387). إذن يعتقد الكاتب ان الله فينا وان "مملكة السماء هي في داخلنا، ومملكة الشيطان في الخارج. والمملكتان تتقاتلان".(ص 412) ويسوع ذاته في سويعات التجلّي يشعر ان الله كامن في داخله كما اي إنسان وك-"إبن الإنسان". وبهذه الصفة- وهذه الطبيعة لا بد له ان يموت، "فلو لم تمت حبّةُ القمح، فهل كانت السنابل نبتت من جديد؟" (ص 536)
وكإبن الإنسان وُلد المسيح في الناصرة إبنًا لمريم ويوسف النجار، وكان له أخ يُدعى يعقوب (ص563،424) وكان يعتقد ان عليه ان يبدأ الحرب من الناصرة: "من هناك يَجب ان يبدأ جسدي بتحوله إلى روح" (ص417). لكن الناصرة تسخر منه فيطرد منها ومن قانا ومن كفر ناحوم ومن كل مكان يحيط ببحيرة طبريا التي كان إسمها في حينه جنيسارت.
وعندما كان متّى يسجل ذلك... تجمدت أصابعه، "أمسك به الملاك. سمع أجنحتة تضرب الهواء بغضب. دوّى صوت في أذنه" أنه ليس إبن يوسف! ألم تسمع ما قاله النبي أشعيا:" ها العذراء تحبل وتلد إبنًا..." بل أكتب:" كانت مريم عذراء. وهبط سيد الملائكة جبرائيل إلى منزلها قبل أن يَلمَسها رجل، وقال لها: السلام عليك يا مريم... وللتو حملت أحشاءُها الثمرة... هو لم يولد في الناصرة إنما في بيت لحم، وفي زريبة. ثم ذكّر ذلك الصوت متّى بالمزمور" المعصوم عن الخطأ"؛ وإختار داوود عبده وأخذه من خظائر الغنم..." اكتب:" وقدم ثلاثة من المجوس. على هَدْي نجم كبير، ليسجدوا للطفل..." (ص 482-3)
ويختلف التلاميذ حول "البشارة" وحول "القيامة(656-7) وكان المسيح يغلي من شدّة الغضب قائلًا: "انا يسوع الناصري، وانا لم أُصلب قط، ولم اقم قط. انا إبن مريم ويوسف نجار الناصرة. لست إبن الرب، انا إبن الإنسان- كغيري من الناس". (ص 657). لكن لا يمكن لأحد ان يعارض نبوؤة العهد القديم! ولا حول ولا قوّة للمسيح إلّا بالله!
وبناء على كونه إبن الإنسان، يكتب كازانتزاكيس ان المسيح يحب مريم المجدليّة يتزوج من مرثا ومريم إختي العازار (ص645) فالمرأة هي الوجه الأنوثي للأرض. (ص643) يملأ الفناء بالأطفال ويعلن الحرب على الموت ويبارك ارحام النساء الملأى بالبيوض.. في كل بيضة رجل . (ص652).
إذا دققنا هنا نرى ان هنالك مصدرين بخصوص الحمل المعجزة.. أولًا نبوءة اشعيا التي إعتمدت على اساطير الإغريق القديمة وثانيًا اساطير اليونان الحديثة نسبيًا. فحين إجتمع الراغبون بالزواج من مريم البتول، وضع كل منهم عصاه في الندى تحت ضوء القمر... (هنالك أسطورة من الشرق القديم أن المرأة العاقر تحمل إذا إغتسلت بماء طشت بات ليلة تحت ضوء القمر). وكانت عصا يوسف الوحيدة التي اورقت وأزهرت. ولهذا السبب منحه الحبرُ مريم الممتازة المكرّسة لعبادة الرب. أشيع فيما بعد ان العروس شمّت زنبقة بيضاء وحملت صبيًا في رحمها وأن السماء قد إنشقّت وهبطت الملائكة عصافيرًا تزقزق وآدميين تخدمها.(ص34)
جلست العذراء في كوخها تفكر وتتساءل: "لماذا يا رب جعلت عصا يوسف بالذات تزهر، وأجبرتني على الزواج من رجل عجوز؟" لماذا انزلت الصاعقة " وزرعت في رحمي هذا الإبن الوحيد السائر آناء الليل؟" أزهرت مريم. قالت: "كنت شجرة لوز تغطيها الزهور من جذورها وحتى اعلى اغصانها... اما من أمل في ان ازهر مرة أخرى يا رب؟" (ص187-8).
إن هذا الكلام يعيدنا إلى اسطورة آتيس وأمه سيبيل الأم الكبرى في آسيا الصغرى- التي حملت به حملًا إعجازيًا أيضًا عن طريق ذات العنصر، المتجلي بغصن لوز مزهر، وفي تلوين آخر من الأسطورة حملت من الرائحة.
وهذه الرواية لم تأت من الفراغ.. فمن وراء كازانتزاكيس عالم الإغريق المليئ بالأساطير القديمة والحديثة التي تعتمد مسألة الحبل بلا دنس أو حمل المعجزة- كحمل الكترا من كبير الآلهة زيوس وكان الناتج هيراكليتوس- هرقل القوي! عالم يزخر بصراع الآلهة الذي هو في الواقع صراع الإنسان مع قوى الشر، وأن الآلهي الذي هو في الإنسان كان يعبّر عنه في صراع آلهة الأولمب المتعددة. لذلك فقد جاء مفهوم الآله عند الكاتب من ينبوع التعددية وليس من ينبوع التوحيد ولم يكن الإنسان (الشرق أوسطي) بعد قد تطوّر مفهومه في التجريد. لكن ومع هذا كله فمفهوم الله بالنسبة للكاتب قريب جدًا من المفهوم الإسلامي تجاه المسيح، خاصّة في موضوع الصلب. فالمسيح صُلب في الحلم وكان قلبه مضطربًا.. قال له الملاك: اهدأ.. أنت لم تصلب فقد كان الصلب حلمًا والمسامير والألم كذلك (ص 613). لم يكن الغجر هم الذين يسمّسرون يسوع على الصليب إنما الملائكة.. وملاك صغير هو الذي غرز رُمحه في قلب يسوع. فتدلى رأس المصلوب في الحلم وغاب عن الوعي بالحلم. (ص609)
هنالك علاقة وطيدة بين الخرافة والحلم. هي تبدأ بالحلم.. في الأحلام العادية أثناء النوم وفي أحلام اليقظة.. فهذا هو بطرس يحلم ان المسيح يسير فوق سطح الماء.. وأنه هو ايضًا- اي بطرس- يقفز خارج القارب ويخطو على الماء ويسير بإذن من المسيح! حلم بطرس أصبح "حقيقة دينية" عندما سجّل متّى هذا الكلام.. فقال أنه المعجزة التي وقعت على هذه الأرض.
كذلك يسجّل متّى حلول المعمداني في جسد المسيح... عندها يسمع صياد سمك عجوز هذا الكلام فيقول:" هذا ما يحدث لأولائك الذين لا يتزوجون... إن منيهم يصعد إلى رؤوسهم ويهاجم عقولهم". (ص475)
وكذلك حين جاء متّى ليسجّل أين وُلد المسيح تخيّل في حلم يقظة ان ملاكًا جاءه وأمره ان يكتب: ولد المسيح في بيت لحم بعد ان كانت نواياه تسجبل الولادة في الناصرة! لقد تغير مكان ولادة الميسح بُعيد تدخل الملاك وطبقًا لأساطير وخرافات ورؤى أنبياء العهد القديم!
كل ذلك على الرغم من ان المسيح نفسه يقول في اكثر من موقع عند كازانتزاكيس عن الناصرة انها "مسقط رأسه" (ص424) ويصفها بالقرية ذات البساتين (ص431) وكيف سخرت الناصرة من الرُّسل وهي "مسقط رأس سيدهم... ونفتهم"(ص432) حيث لا كرامة لنبي في قومه.
إن الوهية الرب لا تتم إلّا بالإنسان، إذ أن " معنى الرب هو معنى الإنسان وإن العثور على الرب يلزمه شخصان، رجل وإمرأة" (ص641) وان " مملكة السماء هنا على الأرض. هنا الرب... هنا الأبدية". (ص642) وان "المرأة هي الوجه الأنثوي للأرض" (ص643) اي للإله.. طالما ان مملكة السماء على الأرض. فلولا الإنسان لما كان الله ولولا إبن الإنسان لما كان إبن الله... كذلك لولا الله لما كان الإنسان... فالعلاقة بينهما علاقة جدلية لا تنفصم. فحيث الله نجد الإنسان وحيث الإنسان نجد الله.
إشكاليات علاقة المسيح بالمجدليّة:
في هذه الرواية- مريم المجدلية هي إبنة عم المسيح.. الحبر، وكانا قد أمضيا صباهما سويّة. يحس المسيح بتأنيب الضمير. يقول:" بسببي، بسببي آلت إلى ما آلت إليه. لقد دفعتها للإنغماس في متع الجسد حين كنت ما ازال طفلًا... حدث ذلك حين كنت في حوالي الثالثة من عمري... خلعنا ملابسنا وتمددنا على الأرض... منذ ذلك الحين سارت المجدلية في طريق الضياع." (ص202)
اما العذراء مريم فقد كانت تشفق على المجدلية وفي الوقت ذاته كانت تعتقد ان جسد المجدلية وحشٌ كاسر "كاد يخطف منها ولدها حين كان في العشرين من عمره"(ص236)
في احد الأعراس كانت المجدلية متألقة، "كانت واقفة بجوار يسوع تشعر أن روحها عادت عذراء من جديد وان شفتيها لم تلتقيا اي قبلة بعد."(ص298)
وفي مناسبة أخرى زارها يسوع في مبغاها بالمجدل.. "اخذ يراقب النار بصمت وكان قلقا، ووقفت المجدلية في الركن تنظر إليه. كانت ترغب بالتحدث إليه... أحيانًا كلام المرأة يسعد الرجل، وأحيانًا يثير غضبه... لزمت الصمت". (كانت الدنيا ربيع) "نهض يسوع وأغلق النافذة، ان كل الروائح الربيعية العطرة هي من انفاس الغواية؛ إنها ليست الجو الملائم لروحه" . (ص491)
قبل ذلك مر المسيح في التجربة.. لعقت الأفعى أذنه وهسَّت بلهجة آمرة:" المجدلية هي التي يجب أن تنقذها! وليست الأرض... إن جسدها جميل، هادئ وتام الأوصاف. كل الأمم مرت عليه، ولكن كتب عليك... منذ طفولتك ان تكون هي من نصيبك. خذها."(ص354) ولكي تهوّن الأفعى عليه الأمر تقول له:" أنظر كيف تزوج الرب من العاهرة اورشاليم.. والنبي هوشع من العاهرة جومر إبنة ديلام..."(ص355)
لكنه يصمد أمام هذا الإغراء أو الإغواء، ففيه رائحة الغريزة الجنسية.. يقول لها بمناسبة أخرى وهو يمسك بيدها مثلما يمسك عريس غير خبير بعروسه.. يسيران ويحلمان، يرتفعان في الهواء ويتقدمان:" يا مجدلية، لقد غفرت لك كل آثامك، لأن قلبك مملوء بالمحبة"(ص454).
في موقف آخر كان متَّى يختلس النظر إلى يسوع الجالس تحت شجرة لوز مبرعمة والمجدلية جاثمة عند قدميه... ويداه تنزلقان على شعرها. قال لها:" يا مجدلية يا أختاه... لقد جاء الناس ليرافقونني"، وكانت تائهة في عينيه..." قالت: يا معلم لماذا تكلمني عن الحياة القادمة؟ لست رجلًا، ولا حاجة لي إلى حياة اخرى ابدية، انا إمرأة... هنا على الأرض نعيش نحن النساء حياتنا الأبديّة"(ص487-8) لكن المسيح يفلت مرة أخرى من الغواية!
وهي تعترف مرة أخرى لذي اللحية الحمراء (يهوذا الإسخريوطي) بعد أن ضغط على ذراعها بقوة غيرةً منه على المسيح. قالت:" انت على حق؛ انا إمرأة؛ مخلوق عاجزٌ جريح..." (ص542)
ربما هذا يفسر مسألة الخنجر في يده برسمة العشاء الأخير عند ديفينشي من جهة ومن الأخرى يعاكس كازانتزاكيس
دان براون
في رواية "شيفرة ديفنشي" حيث الكأس المقدس رمز للأنوثة وهو الذي يرفع من شأن المجدلية .. المرأة ذات الشعر الأحمر الطويل الذي يصل إلى كعبيها والرداء الأحمر رائعة الجمال ...
التي إصطفاها المسيح وأجلسها على يمينه بذلك العشاء.. فعند كازانتزاكيس يظهر جليًا غياب المجدلية عن ذلك العشاء السري وفي موقع آخر من الإغواء الأخير للمسيح وربما هو حلم للمجدلية حيث يقول لها المسيح: "قوديني. انا اثق بك" اما هي فتقول له: إتبع المرأة. إنها دائمًا تعرف الطريق الصحيح دون شك" (ص618). "ضمها يسوع إليه، ورفع رأسها ثم قبّلها على فمها... إستلقيا تحت شجرة ليمون مزهرة وراحا يتدحرجان على الأرض... الجسدين عاريين... إرتاح الآن وأشبع رغبته" (ص619)
هنا يتركنا الكاتب في حيرة من أمرنا. اهو حلم بالجنة على الأرض ام حلم في جنة السماء. يقول المسيح:" زوجتي الحبيبة، لم اعرف قط أن العالم بهذا الجمال وان الجسد بهذه القداسة. هو ايضًا إبن الرب. شقيق مبارك للروح. ولم اعرف قط ان متع الجسد ليست آثمة." (ص619).
كذلك يتركنا الكاتب في حيرة ايضًا بخصوص موتها، رُجمت ولم ترجم، قُتلت ولم تُقتل!
وكل هذا يعيدنا إلى مسألة الخطيئة الأولى- الجنس سبب الطرد من الجنة... هسيس الأفعى التي سوّلت لحواء ان تأكل من ثمر شجرة المعرفة والتي أغوت آدم بالتالي فلم يصمد عند إغواءها.
إذن هي غواية المعرفة لا غوايه حواء- المعرفة التي تبدأ بالبحث عن الذات والعلاقة مع الذات.
يقول المسيح:" ثمة شيطان داخلي يصرخ" انت لست إبن النجار، انت إبن الملك داوود! انت لست إنسانًا، انت إبن الإنسان الذي تنبأ بقدومه دانيال. بل أكثر من ذلك: انت إبن الرب بل أكثر من ذلك: انت الرب".(ص205) لماذا الشيطان؟ سؤال محيّر أيضًا ليهوذا، يسأله يهوذا:"من انت؟ ماذا تريد؟ من اين أتيت؟ وما تلك القصص التي تُروى عنك في كل مكان: عصا تزهر، وبرق وامض، ونوبات الأغماء التي تنتابك وانت سائر، والأصوات التي يقال انك تسمعها في الظلام؟ قل لي، ما هو سرّك؟"
(ص 217-8) وكان المسيح مصابًا بالصرع (ص285). وكانت أمه والمجدلية تهدِّئان من روعه بينما الناس يظنونه مخبولًا.
وكانت علاقته بأمه علاقة سأم وضجر منه ومن تصرفاته بخلاف علاقته مع المجدلية. ذلك على الرغم من أن السيّدة الأولى آمنت بالصاعقة التي انزلته في رحمها وعلى الرغم ايضًا من إعتقاد بعض الناس ومنهم سالومه العجوز بمسألة الحبل بلا دنس. قالت لها سالومة:" تهانيّ لك يا مريم، يا لك من ام محظوظة! لقد نفخ الرب في رحمك وانت حتى لا تدركين ذلك!"(ص233) واضافت:"لا تبكي يا مريم، ألم تري هالة من النور تحيط بوجه إبنك؟"(ص249)... لكن المسيح هجر بيت والدته.
كما وإختلفت علاقته بمريم الثالثة اخت العازار وبمرتا اختها... منهما انجب اطفلًا ملؤوا البيت في هذه الرواية. فهل كان ذلك حلمًا أم حقيقة؟ واقعًا ام خيال؟
الخرافات:
عند كازانتيزاكيس تبدأ الخرافة بالحلم.. فهذا بطرس يحلم انه يسير على الماء مثل المسيح.. لكن متّى يرفض فكرة الحلم، "لم يكن حلمًا بلا ريب... المعجزة وقعت، ولكن ليس على هذه الارض، ليس في هذا البحر. في مكان آخر- ولكن أين؟"(ص473-4)
وكذلك في مسألة مكان ولادة المسيح. أراد متّى ان يكتب الناصرة لكن الملاك يمنعه ويقول له "أكتب في بيت لحم" وبحسب ما جاء في التوراة.
وفي حديث سالومة مع العذراء تحاول الأولى إقناع الثانية بوجود جيش من الملائكة ذوي الأجنحة الزرقاء يحيطون بالمسيح حين كان يتكلّم. تعترف العذراء انها لا ترى شيئًا" ماذا تفيدني الملائكة يا سالومة؟"(ص262)
كما ونرى اثر أسطورة هرمس رسول آلهة الإغريق الذي كانت له أجنحة ذهبية فوق كعبيه، يسير المسيح مع تلامذته بعد ان رقصوا وشربوا في العرس." صارت أجسادهم خفيفة، كالأرواح، كانوا يسيرون بأقدام مجنحة."(ص302) فهل هذا الكلام من عِنْدِيات الكاتب وحده؟
كما ونرى اثر العبادات الوثنية الاغريقية واثر عبادة الام الكبرى سيبل في اسيا الصغرى على بعض طقوس اليهودية في موسم "الاحتفال الخريفي الكبير" .. عيد العرش . لذكرى سنوات التيه الاربعين بصحراء سيناء.. أو في مواسم الحصاد حيث يعلّق الناس آثامهم على رقبة ذكر ماعز أسود مسمّن ويرجمونه بالحجارة ويطاردونه حتى يتوغل في الصحراء .. ويشعرون بالراحة حيث تتطهر ارواحهم . يعتقدون ان الله ارسل هذا الماعز ليحمل عنهم خطاياهم ، مسيحا ارسله الرب ليهلك في الصحراء جوعا ومعه تهلك آثامهم . (ص 317) * كذلك نرى اثار عبادة ذيونيسيوس على اليهودية حيث تذبح القرابين وتحرق في المدينة المقدسة وكان الناس يبالغون في الاكل والشرب والمجون . يلج يهوه خفيا يملاه الحبور الى خيا مهم ويحتفل معهم جسديا ويمارس كل ما يمارسه المحتفلون حتى الدعارة. (ص318) كما ونرى اثر الاسطورة التوراتية على المسيح ذاته على شكل حلم.." لكن يسوع اثناء نومه سمع نفخ أنفار – وإذا بجدران اريحا تتقوض وتنهار" (ص326) نلاحظ هنا كيف يعود بناء الاسطورة التوراتية ويتجدد على شكل حلم عند المسيح .. او على شكل خيال ادبي وصور مبتكرة. فعندما جاء المسيح الى المعمداني ليأخذ بركته يتوقف دفق مياه نهر الاردن "وتطفو اسراب من السمك المتعدد الالوان من كل صوب وتحيط بيسوع . وتاخذ ترقص..." ثم يبرز جني أشعت...(ص331). *ونلاحظ ايضا ان اختفاء ذكر الماعز الاسود في الصحراء يذكرنا بالاساطير التي كانت رائجة في الصحراء الليبية والتي يعالجها ابراهيم الكوني في كتاباته عن"الودّان"- ذكر الماعز البرّي الذي يحمل روح الجبل وارواح الاجداد المقدسة . (ص343، 359) ..
التطوّر من اليهودية الى المسيحية والى الاسلام:
اذا تتبعنا اساطير العراق القديم وخصوصا ملحمة الخلق البابلية وصراع العناصر البدئية وبالتالي صراع الآلهة ومن ثم اساطير الاغريق واساطير الصين و الهند نرى ان الدين مكون ثقافي في تاريخ البشرية قديمه وحديثه ... بما في ذلك الاديان السماوية . ونرى ان مفهوم الدين تطور عند الانسان من السحر الى الطوطم القادر على كل شيئ ومن عبادة الأسلاف ومن التعددية الى التوحيد ومن رصد العالم وقوى الطبيعة الى محاولة التأثير فيها اي من محاولة التفسير الى محاولة التأثير.
كذلك اذا تتبعنا تطور اي دين وثنيا كان ام سماويا نرى أنه في بدايات اي معتقد ديني ثورة الجديد على القديم.
ادعي كما يدعي غيري من العلمانيين ان الماركسية ليست نظرية ضد الدين بمعنى انها ليست إلحاداً مضاداً للايمان ، إنما تنظر الى الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية تشكل جزءاً من تطوّر الوعي البشري في محاولة لفهم الواقع . فكل دين لعب نفس الدور في التاريخ الانساني ، بناء جديد على قديم تهدّم او آيل الى السقوط . من هنا جاءت مقولة لا كرامة لنبي في بلده او في قومه .
كسائر الأنبياء هو ما حدث للمسيح . فقد جاء ليجدّد اليهودية .. ليحولها من دين خاص الى دين معولم وليحول دون احتكار الإله لفئة معينة من البشر وليهتم بمملكة السماء وبمملكة الارض كلها وليس فقط بأرض اسرائيل . (ص270) . جاء ليحرر العالم وليس فقط ارض اسرائيل ، جاء لكي يُتعبّد في كل مكان وليس فقط في اورشاليم ، فكل ارض مقدسة والرب موجود في كل مكان . وجاء يعلن انتهاء ناموس موسى الذي يخصص اليهود ويبشر بناموس ابن الانسان الذي يتسع لكل الناس ويشمل البشرية جمعاء.. والعالم كله هو الارض الموعوده .(ص466) فحِضْن الرب ليس مخصصا فقط لليهود، والرب ليس اسرائيليا ، انه روح مقدسة سرمدية (ص515).
كما في المسيحية كذلك في الاسلام .. فالله هو رب العالمين وليس رب المسلمين وحسب.
الاغواء الأخير للمسيح
نيكوس كازانتزاكيس
ترجمة: اسامة منزلجي
دار المدى للثقافة والنشر- سوريا دمشق ط.4- 2006
المقاله من موقع "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساوة" الالكتروني في عددها المنشور الأحد 25/7/2010















