تتعدد أشكال الأجناس الأدبية بتعدد آراء كتابها وأجوائهم الفكرية ومناخاتهم الحياتية، وأساليبهم في الكشف والتعبير، ودوافعهم وغاياتهم الكامنة وراء كتاباتهم تلك، وإذا كان ثمة أسباب لا يمكن بروزها إلا من خلال تصريحات الكاتب فهناك في المقابل أسباب متوارية في العمل يستشفها ويكشف عنها الباحث و القارئ الواعي .
يقول الشاعر فيصل أكرم أنه كتب (سيف بن أعطى) : رداً على الاستفزازات و المغالطات و الافتراءات التي تزعم أن الشاعر الخليجي _ وتحديداً السعودي _هو بالمجمل والتفصيل مجرد (شاعر نص) و لا يرقى أبداً إلى (شعر التجربة).
لا أظن بأن القول السابق للكاتب هو السبب الرئيسي لكتابة سِفْر /سيف بن أعطى/ بمداخله التسعة، بل كتب هذا السفْر رغبة منه بالعثور على (معنى الحياة) عبر استعادة مراحل حياة سيف بن أعطى التي توقفت في هذا الكتاب عند سن الخامسة عشرة وتوضيح أبعادها، و ذلك لأنه قدّم /سيف بن أعطى/ بإرهاص من ديوان قديم له اسمه (مقدمة الكتاب الأخير) يقول فيه:
يا سيف..
أو يا ابن من أعطى: تصبّرْ
إنهم باعوا يديكَ إلى يديكْ
وفتتوكَ، وفتتوا الريح التي - في يومكَ المنسيّ
قد حنّت إليكْ..
لكنهم تركوكّ وحدكَ، كلّهم..
تركوا الهوى يأتي عليكَ، فلا تضعْ..مادمتَ
علقت السلام على جبينكَ، لا تبع طفلَ الكلامِ،
هي الحياة الآن:أمُّكَ، والزمان أبوكَ، فاصرخ..
قل: وجدتُ الآنَ أهلي.....)
هكذا يصرخ هنا وكأنه يقول:أنا (الكائن) الذي يصنع قدره بإرادته ووعيه!! لذلك فالكاتب يكمن خلف امتداد كل الأحداث والمواقف والانطباعات في سفْر /سيف بن أعطى/ الذي اختار لغلافه صورة فوتوغرافية (لملف قديم) ربما يكون ملف سيف بن أعطى (أو فيصل أكرم) الذي ظل متشبثاً به رغم الأسياخ الحديدية التي انغرست في ساقه، ليقول لنا اليوم: هذا ما تبقى لسيف من تلك الحقبة بعد أن فقد كل شيء.
في مدخل (أهربُ من قلبي) يقول صاحبه في حديثه عن دعاء:(..تناقشتْ معك حول الكون، وراحت تتكلم عن برنامج الدكتور مصطفى محمود في التلفزيون (العلم والإيمان) فرحتَ أنت تخبرها بأنك تقرأ كتب مصطفى محمود أيضاً، وتكلمتَ معها بإسهاب عن إعجابك بكتابه الأخير (لغز الحياة) ونصحتها بقراءته..) إذاً كان سيف بن أعطى يبحث عن فك رموز لغز الحياة ويدعو من يتعرف عليهم لفعل ذلك أيضاً وهو لم يتعد الخامسة عشرة من عمره بعد..؟! وبعد أن عرف الكاتب الحياة ولو _جزئياً_لأنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، قام بإعداد ملف تكريمي عن معلمه الأول في الحياة/ د.مصطفى محمود، ونشره في العدد /254/ من أسبوعية (الثقافية) التي كانت تصدر عن صحيفة الجزيرة، ليقول له شكراً بقلمه وقلم كل من تعلم من مصطفى محمود وأحبه، و ليجعل القراء يحاولون اكتشاف (لغز الحياة) بقراءة مصطفى محمود من جديد..!!
و في الصفحة 78 من المدخل السابق في الكتاب، أشار الكاتب إشارة بسيطة إلى أخيه الأكبر (حسن) الذي غادر محيط أهله بعد وفاة الأم وانقطعت أخباره عن الجميع، بعدها وجدنا الكاتب يكشف لنا في مقالة نشرها في العدد /256/ من ثقافية الجزيرة أيضاً عن سيرة كاتب كلاسيكي من طراز رفيع يدعى (حسن علي أكرم) وربما يكون الأديب العربي الوحيد الذي سنقرأ نتاجه الأدبي بعد وفاته، وقد كانت وفاته سرّاً ولغزاً حيّر الكاتب والقارئ لتلك المقالة المؤثرة. وبهذا يكون الكاتب قد جعل القارئ في حالة ترقب دائم للحكايات والأسرار التي تتناسل من سِفْر /سيف بن أعطى/ .. لقد جعل الكاتب من بطله (سيف) معبراً للاتصال بالنماذج البشرية في الحضارات المتنوعة ومحاولة تمثلها واستيعابها والإفادة منها: (مصطفى محمود، المصري - حسن علي أكرم، السعودي) وبذلك يكون قد أسهم إسهاماً فعالاً في عملية البناء الإنساني، ذلك أن الأديب حينما يصور حياته الباطنية وسيرته الذاتية، عقلياً وانفعالياً، والخارجية عن منظور رؤيته، فإنما يثري حياة العقل الإنساني بوجه عام، والمعرفة السيكولوجية ودراسة الطبيعة البشرية والخبرة الإنسانية بوجه خاص.
تكمن أهمية سِفْر /سيف بن أعطى/ في ما يشتمل عليه هذا السِفْر (أو ذاك السَفَر) من تجارب وخبرات إنسانية، قد تشكل دروساً وعبرة في الحياة. كما تكمن في الشهادة الإنسانية التي يقدمها هذا السِفْر، أي فيما يحتويه من دلالة الشخصية -شخصية كاتبه- فحياة الإنسان مهما كان طابعها فهي دائماً تحمل شيئاً ما ذا فائدة، لأنها تحتوي على دلالة إنسانية ما، وما أكثر ما حمل سِفْر/سيف بن أعطى /من دلالات: الصفعة الأولى، الركعة الأولى، الخروج الأول، الضياع الأول، الشتات الأول، المغادرة الأولى، الهبوط الأول، أهرب من قلبي، و..فقدان) حتى جعلنا نشك فعلا أن هذا السيف –فعلاً- لم يرفع كفيه بالدعاء:يا إلهي لا تدخلني في تجربة!
ومن هنا كان تأثيره عميقاً على القارئ لأنه أيقظ المعاني والمشاعر المترسبة في أعماقنا منذ الصغر و جعلها تتناسق مع معانيه ومشاعره وصوره، بحيث نقلنا من مرحلة التلقي للعمل إلى مرحلة المشاركة فيه من خلال تفاعلنا معه وتحسس ألمه، فوجدنا أنفسنا بطريقة أو بأخرى، مندسين في أحد مداخل هذا العمل..
عندما قرأت /سيف ابن أعطى/ لمست بأنه وسيلة تنفيس لكل من القارئ والكاتب معاً. فالقارئ لا يطالعه لما فيه من تشابه في المواقف بينه وبين الكاتب فحسب، وإنما أيضاً لينفس من خلاله عما يعتريه من ضغط داخلي. إنه يدخل القارئ في مناخ وعي جديد بذاته وبالآخر، مما يسهم في تحرره وانعتاقه من الضغوطات والقيود المفروضة عليه..
إن سِفْر/سيف بن أعطى/ يتمتع بأهمية نفسية تتعلق بالكاتب والقارئ معاً، وكم تمنيت لو تحلى الكاتب بالجرأة والشجاعة ورمى بالعوائق الداخلية والخارجية التي منعته من البوح بسر (الأوراق والأختام) التي جعلته يتلقى (الصفعة الأولى) ليكشف عن ذاته وتتكامل تجربته الإنسانية، فهل سيفعل هذا في وقت قريب؟ لنقف بعدها ونقول له شكراً فيصل أكرم... شكراً يا سيف بن أعطى.. شكراً على المكاشفة في زمن .. الحقيقة فيه ضمير مستتر.
*إشارة:
(سيف بن أعطى) كتاب سيرة للشاعر السعودي فيصل أكرم صدر عن دار الفارابي في بيروت عام 2007
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته















