... الاديب سبول على الرغم من كثرة النقاد والباحثين الذين ولجوا ادبه وشغلوه،الا ان الباب المتعلق برسائله ما زال بكرا تماما،وكما هو حال خلوّ الساحة الثقافية العربية والاردنية من كتاب متفرد حول ادب السبول الروائي يبين من خلال كم الدراسات التي كتبت عن روايته الوحيدة اوجه التجديد ومواطن قوتها، فكذلك الامر فيما يتعلق بمراسلاته التي تكشف نظرته بجذرية لمنظورات ومفردات الحياة التي اغلقها السبول وراءه، وهو اهم من حمل سفينة الادب الاردني لشاطىء التجديد بلحظة تراجيدية ما زالت متوقدة في ذاكرة كل من عرفه،وتلك اللحظة هي لحظة انتحاره.
مراسلات تيسير السبول لاصدقائه ولزوجته، تعددت عبر اسفاره التي يمكن ترتيبها على هذا النحو: «بيروت، سوريا، البحرين، السعودية، القاهرة وفلسطين»، وابرز تلك المراسلات مع صديقه وتوأم روحه الاديب صادق عبدالحق، الذي صادقه منذ العام 1955 ولم تنقطع صداقته واخلاصه له حتى بعد غيابه الذي اختاره السبول بطلقة لم توقظ الموتى على حد تعبير د. مي اليتيم زوجة تيسير سبول.
عبر الرسائل مع صادق عبدالحق، نجد ان السبول قد تعامل مع الصداقة كشكل من اشكال المطلق التي اكتشفت العالم ولم يكد يكتشفها احد، وبالتالي جسد ما فيها من اشجار متشعبة عبر الرسائل التي لم تستطع ان تنجي الجسد من فرط الهزيمة والخذلان.
وتكشف الرسائل المكانة الخاصة للاديب صادق عبدالحق، الذي تساءل وهو يتصفح الرسائل مجددا: «هل كان ممكنا ان تكون كلماته بعد رحيله بعض ذكرى لفارس من فرسان الحياة الحارة؟».
خلال رسائل تيسير سبول تتضح لنا اكثر حالاته صدقا مع نفسه ومع من حوله لانه كان بطبعه وطبيعته صادقا كل الصدق، فهو بخلوته عبر الرسائل كان اصفى ما يكون للبوح النقي الصافي.
الرسائل جسدت فرار السبول من قسوة العالم المحسوس من خلال نوع من الاختبار الصوفي المقصود تجلى باغماضه عينيه عن العالم لكي يفتحهما على عالم جديد دائما، كما وتكشف الرسائل مدى القلق والصراعات الداخلية في شخصية السبول وتدلل على مدى اقتراب الراحل السبول من متطلبات الروح وآلامها ومسافاتها، وكيف كان الليل يملأ تلك المسافات بأسراره وحرارته بلا هوادة. صرخات ويأس وعدم سكنت الرسائل كأنها المكان الناجي من الاخطار، وكأنها الفضاء الاخضر من الليل.. من الاسرار.
ومن هنا فرسائل تيسير السبول لصادق عبدالحق كشجاعة الصداقة التي ضمتها، انها الكراسة الدافئة الممتلئة بالمحفورات والرقم والارفف والصهيل، وبالاحزان المرئية التي تفتح فاها باتساع مثلا لمغنين في الاوبرا.
لقد جسدت الرسائل مقامات واحوال الكشف عن الروح المشروخة، دائمة المناجاة للصداقة باعتبارها الشاطىء اليانع من الحياة: «الان افكر بقليل من العمق بحياتي وحياتك، اعني الجانب المرتبط منها، فأجد تلك الصداقة الرائعة التي شدتنا لبعض، تلك المحبة النادرة الوجود، كلها كانت اشبه بسمفونية شوبرت التي لم تتم».
ويتضح عبر الرسائل رفض السبول لأي اطار او قالب يمكن ان يحد من ذاته الباشقة والراكضة صوب الحرية والكرامة، كما يتضح بجلاء حنينه للأمكنة التي احبها وسكنها.
الرسائل رسخت حياتها المباشرة وهي تشكو الغياب، ليس غياب الصديق فقط، وانما غياب الانا عن الاحلام التي تطلبها وتنشدها للامة، اما المباشرة «الواقعية» في الرسائل فقد جسدت القرار والانفعال في شخصية السبول لا المنطق، وعلى الاخص حين نجد ان الرسائل دعت الاشياء والاماكن الى التحدث والقول عما تعرفه عن كائنه المشروخ بمحبة وفلسفه كما حوله، ومن هنا فالرسائل تتساءل وتكشف اكثر مما تطمئن، وتستقر في ترتيب سأم الاسفار وضياع احلام الامة.
ان السبول اراد ان ينفتح على اللانهاية حول يقينه من الوجود الى فكه، وذلك من خلال انصهاره في وحدة الكون ولوحته الواحدة، لذا نجده في الرسائل يعتصر الحقائق حبة... حبة للحد الذي يجرح المحبوب الذي يطمئنه على محو وجوده، وعل في محبة السبول لفكرة الصداقة اولا ومن ثم تجلياتها ما يعيد الكثير من المتعلقات في ادبه وانتحاره، وعل في ذلك، ايضا، ما يفسر كثرة المدعين لصداقته بعد انتحاره، والسبب يعود في ذلك لمعرفتهم عشقه المتجدد للصداقة.
وعلى الرغم من الفرق في المكانة الادبية بين الاديبين، الا ان عرى الصداقة بينهما كانت الاشد بروزا، وان كشف رسائل السبول عن قلقها يضم بعض الملامح والاسباب التي ادت به لرؤية الطريق اقصر مما يجب.
ان رسائل تيسير السبول مع صادق عبدالحق هي تماما بمثابة بوح لتيسير مع ذاته، وهذا ما يؤكد اهمية هذه الرسائل التي تكشف العديد من الجوانب الدقيقة في شخصية تيسير السبول، وهذا ما يدعو الى اخذ تلك الجوانب من جديد في ادوات النقاد العرب والاردنيين على السواء.
رسائل تيسير السبول مع صادق عبدالحق تعد ابرز رسائل السبول مع اصدقائه، لان الرسائل مع غيره متناثرة وقليلة واصحابها لم يكونوا بذات المنزلة والعلاقة كما هو الحال بين السبول وعبدالحق، عدا رسائل السبول لزوجته مي اليتيم ذات الاهمية الشديدة وصاحبة المنزلة الخاصة والمنفردة حين نشرها.
صادق عبدالحق يقول عن معرفته بصديقه تيسير سبول كنت اواخر الدراسة الثانوية لكلانا في كلية الحسين بعمان سنة 55/56 وكنت اسبقه بسنة دراسية وسمعت باسمه لأول مرة من استاذ اللغة العربية الاستاذ عبدالرحمن الكيالي الذي ذكره وذكر كتابته في موضوع الانشاء ومحاولاته الشعرية باعجاب، وتنبأ له بمستقبل لامع.
برغم زمالتنا الطلابية في الحسين وسكن كلانا في معسكر «الزرقاء» انذاك لم نكن نتبادل الاعجاب ولا الحديث الخاص.. كان منطويا او متعجرفا، وكان يقال انه قومي وبورجوازي، كنت قرويا و«دينيا»، وكان قد جمعنا مكان سكني واحد هو «الزرقاء» ومكان دراسة واحد هو «كلية الحسين» في عمان وكان انذاك يذهب معنا في الباص الذي ينقلنا الى المدرسة: طاهر حكمت، صدام حابس المجالي، علي مشعل، حسين علي رشيد.. وغيرهم، واول رؤيتي له كانت في الباص الذي ينقلنا من الزرقاء وكنت انظر اليه على انه منطو ومنعزل واقرب الى الاكتئاب.
وبعد انتهاء التوجيهي عام 1956 التقينا ـ يقول صادق ـ على جسر سكة الحديد «مدخل الزرقاء» وفوجىء باهتمامي الخاص بالادب والشعر الحديث وبمجلة الآداب اللبنانية، وتحدثنا عن خليل حاوي وكنت معجبا به جدا جدا، ومن هنا كانت الآداب التي ضمت قصيدة حاوي سبب التعارف واللقاء بيننا والذي لم يتوقف فيما بعد، وبعدئذ لم نفترق تقريبا، وكان الاصدقاء يطلبونه عندي او يطلبونني عنده، ومن اصدقائه آنذاك: هلال بطرس، عدي مدانات، رسمي ابوعلي، وكان معجبا بطالبة كانت تسكن ايضا في معسكر الزرقاء، تغزل بها شعرا ونثرا دون جدوى وسنراه يلتقي بها في جامعة دمشق فيما بعد ويصوغ من علاقته الافلاطونية والراغبة بها قصيدته الممتازة «غجرية» التي نشرها في «الآداب»
وبعد انتهاء عبدالحق من الحديث عن المرحلة الاولى قال: في المرحلة الثانية: انتقل «تيسير» الى الجامعة الامريكية في بيروت مبعوثا باعتباره من اوائل الطلبة في الدراسة الثانوية وبعد اشهر مزق كتبه وقلب طاولة الجامعة الامريكية في وجه الحياة الامريكية البيروتية الصاخبة، سألته لم يا تيسير؟ كيف بوسعك ان ترفض نعمة الحياة البيروتية؟ كان غامضا وكانت اجابته دائما حول ذلك بكلمات قليلة: «انها لا شيء يا صديقي.. انها كذب .. كذب .. وزيف وتمثيل صدقني انها لم تكن الا كذبة: اشباه رجال وبنات فارغات»...الخ.
ثم كتب اليّ ـ يقول صادق عبدالحق ـ من دمشق، حدثني عن اصدقائه: هاني الراهب، زكريا تامر، علي الجندي، وعن فتاة لم يسمها، تحدث عنها بمحبة ورومانسية في رسالة له: «وحدها يا صادق جاءت وشدت على يدي وابدت اعجابها برأيي في الشعر الحديث .. سأحدثك عنها فيما بعد».. وفيما بعد هو لم يفعل.. كتب اليّ عن شريكه في السكن فالح الطويل، حدثه عني وجعله يكتب اليّ دون معرفة سابقة، كان يعود في الصيف الى عمان والزرقاء نلتقي، عدد كبير من الاصدقاء: محمد زيدان محمد الجمل، فايز الصياغ، عبدالعزيز المعايطة، راكان المجالي، عدي، قحطان، رسمي وغيرهم وغيرهم.
كنا نحب اغاني ام كلثوم وقصائد خليل حاوي وفلسفة نتشه «القوة» وفي اوائل تلك الفترة كنا نختلف مع تيسير حين عاد من دمشق يهاجم عبدالناصر اثناء الوحدة، وحين حدث الانفصال فقط فهمنا ما كان يتحدث فيه، في تلك الفترة ايضا نشر قصيدته «غجرية» و«وداعا غجرية» في الآداب، لفتاة لم يستطع ان يكسبها في الزرقاء .. ثم لفت انتباهها في جامعة دمشق ولكنها كانت- شأن الصبايا الفاتنات - ترغب في تعذيبه فعلت بكل ما لديها من قوة التعذيب.
في تلك الفترة، ايضا، كتبت له مقاطع من قصيدة لي «جنين الوادي» فأثارت حماسته وجاءني من دمشق اكاد اقول خصيصا- ليهنئني .. التقينا «بقحطان هلسه» في «معان» اياما متصلة وحين ودعناه الى الطريق الصحراوي سرنا مشيا في مدى رملي شديد الاتساع وبلا معالم ننقل خطواتنا اللامجدية في ذلك المدى .. تحدثنا عن كيفية يقطع البدوي تلك الامداء الشاسعة من الرمال عبر كل الازمان الماضية .. وان خطواتنا تبدو بلا نتيجة .. وحين عاد الى دمشق جاءتني رسالته ومعها قصيدته «أحزان صحراوية» التي سمى بها ديوانه الشعري وفيها المقطع العذب «بدوي خطت الصحراء لا جدوى خطاه».
في تلك الفترة- ايضا - جاءنا خبر دخوله المستشفى في دمشق بعد محاولة انتحار .. كان قد احب وعانى وشرع في الانتحار ولكنه خرج سليما وتزوج زوجته الحالية الدكتورة الطبيبة «مي يتيم» ، في تلك الفترة ايضا زار لبنان مرارا وتعرف الى ادونيس «علي احمد سعيد» وبزوجته «خالدة» «وقد زاره فيما بعد في بيته بعمان» وحليم بركات و خليل حاوي نفسه وكتب في تلك الفترة اقاصيصه القصيرة: «صياح الديك» و «هندي احمر» ومترجمته «الخطيئة» لادوارد مكارثي وفي الاقصوصتين يسخر من المجتمع البيروتي المتأمرك الذي سبق ان رفضه تيسير منذ الجامعة الامريكية، وفي تلك الفترة - بختام دراسته الجامعية - كما ارى - وصل الى ذروة عطائه الشعري.
فلم يكتب بعد رجوعه من الجامعة شعرا بمستوى قصائده في «احزان صحراوية» التي كانت حصيلة سنواته الجامعية الاربع الى جانب «ليسانس الحقوق» الذي رجع به من دمشق، ولقد زرت وتيسير - فيما بعد - دمشق فعرفني بأصدقائه الكثيرين هناك من النجوم الادبية المعروفة اليوم، كان متألقا محبوبا ومعترفا به في الوسط الادبي الدمشقي اعترافا تاما.
وتحدث صادق عبدالحق عن المرحلة الثالثة بقوله: تزوج «تيسير» وسافر الى البحرين مع زوجته، وثم الى السعودية للعمل وتعرف بأصدقاء والتقى في جدة بصديقه سليمان عرار وكاتبني: حدثني عن رواية يكتبها باسم «التراب العقيم» عرفت فيما بعد انه مزقها، لم يطق غربة الخليج الا شهورا معدودات فعاد الى عمان تنقل بقلق بالغ بين ضريبة الدخل ومأمور للتقدير والمحاماة متدربا في مكتب صليبا الصناع، ومستقلا بمكتبه في الزرقاء لبضعة شهور، ثم موظفا في ادارة «عالية» الخطوط الجوية، ثم مستضافا في الاذاعة ثم موظفا فيها، وهنا كما يحب ان يقول تيسير بطريقته - وقعت حرب الـ ٦٧ كان ممرورا وساخرا: في اليوم الثالث من حزيران نزلنا «تيسير» وفايز صياغ ومحمد زيدان وآخرون الى الجسر وشاهدنا جميعا تلك اللوحة البائسة لحرب حزيران تلك التي رسمها فيما بعد في روايته «أنت منذ اليوم»
حين كنا عائدين نصعد مرتفعات السلط عشرة او اكثر في سيارة واحدة قديمة كان تيسير يردد بلا كلل من نشيد وطني لازمته «أنت منذ اليوم لي يا وطني» - كما قلت مرارا - مبللين بالحزن والعار، ومن هذه اللازمة لذلك النشيد الوطني اختار تيسير عنوان روايته «انت منذ اليوم» مضمنا اياه: «توقفه عن الانصياع او الاقتناع بكل ما سبق والبدء من جديد».
رفض الانصياع لسلطة الادب الجاهل، والحزبي المتسلق، والاعلامي الكذاب والغوغاء الجهلة، والدينيين من انصاف المتعلمين والمحتلين العنصريين كل تلك السلطات اعلن انه لن ينصاع لها ولا يقتنع بها، وعليه ان يجد مرجعية اخرى لسلطة اخرى مقنعة ومحترمة.
ويتذكر عبد الحق من اصدقاء تيسير في تلك المرحلة: فاروق منصور، خالد الساكت، سليمان عرار، عائشة التيجاني، فريال زمخشري، توجان فيصل، جمال ابو حدان، والاخرون.
في المرحلة التي سبقت قيام «تيسير» «صفق باب العمر وراءه» كما كان لا بد يحب ان يقول تيسير، كنت وصديقه محمد زيدان في الكويت، وجاءنا الخبر هناك وقد عهدت الينا عائلته بأوراقه وبعد حين احتفظنا بنسخ منها واعدنا اصولها الى زوجته «مي» التي عملت على طبع ونشر آثاره كاملة.
وختم الاديب صادق عبدالحق لمجلة نزوى بملامح من حياة تيسير كما شهدها ووضعها في نقاط محددة واوصاف اتصف بها تيسير كما رآها.
نشأ تيسير في طبقة وسطى او اعلى من الوسط، ضعيف البنية لكنه لم يكن معظم حياته يشكو من مرض معين ذكيا بل شديد الذكاء، صادقا لا تبغض نفسه شيئا اكثر من الكذب والرياء، كان محبا للنساء، والنساء كثيرا ما اعجتهن شخصيته وجرأته ومظاهر اخرى في رجولته، كان يلعب الشطرنج والطاولة والورق .. وكان يكره العجز والشيخوخة فرفضهما، كثيرا ما كان يصحبني، ولعله صحب اصدقاء اخرين له، في سيارته الصغيرة على طريق الجامعة، ثم كان يبدأ لعنة العبث، ويدوس البنزين «تيسير .. تيسير ايها الاحمق ماذا تفعل هنا .. لماذا انت هنا الى الان».. كان معجبا بميتة «كامو» حين ارتطمت دراجته بشجرة فقضي عليه ومثله ما كان يرويه كذلك عن لورانس ومصرعه، وبميتة همنغواي حين انقذف رصاص بندقيته في جوفه، وبميتة الشاعر ماياكوفسكي، ولو عاش لأعجبته ميتة صديقه خليل حاوي الذي لم يفعل الا ما فعله تيسير تماما، كان يراها كارثة ان يعيش المرء في العجز والشيخوخة ويرى ان عليه بدلا من ذلك ان يتجنبهما بارادته ويمتنع عن الوقوع في مصيدة الستينات والسبعينات، هكذا كما يقول دائما ويردد ما في لا منتمي «كولن ولسن»: العيش في اقصى حدود الاحتمال. ولقد تجنب «تيسير» العجز والشيخوخة ورفضهما لقد مضى بارادته كما احب: شابا في الرابعة والثلاثين فقط، وهوذا يبعث فينا اليوم كذلك .
في رسائله لصادق عبدالحق .. تيسير سبول .. الموت مر والحياة مرة وكل شيء مر وحتى المراسلة مرة
الرسالة ١
«فليدق الله عظامكم وليحسن الدق»
عمان في ٩ ـ 10 ـ 1967
ايها الصديق المرمي بعيدا ها ان حلقة الشيطان تطبق يسمونها بالانجليزية Vicious Circle الحلقة الشريرة، نعم، عمان في ٩ ـ 10 رسالة حزينة وبعد غد الكويت في كذا او الخ رسالة حزينة - ان الله القدير وحده عندما يتكفل بقصف رقابنا الهشه غير الجيدة الحياة، نعم وحده ينهي فراغ خلقه الشر.
عندما كنت في البحرين كنت دائم التأثر بمنظر قارب مهجور على شاطئها حيث كنت اتسلى- لا بل اسلي النفس وفي ذهنك ان لم يكن في مقلتك عجل كاوتشوك على شاطىء وذات امسية كئيبة في الرياض اجهش صديق بغصة حلق فقال: قال الصديق: بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على ان قرب الدار خير من البعد ويعلم الله ان الحزينة التي وعدت بيوم تفرح فيه فقدت اوانها ويعلم الله ان الشيخوخة على الابواب فهلا اعطتها الحزينة الوعد الحق.
استقالتك (1) قبلت، هكذا اخبرني فاروق الذي قابلته بعد قليل من استلام رسالتك - رئيسك يرغب في ان يرسل جوابها لك مباشرة في الكويت، ها انني احاول بدوري الانتقال الى جهة ما في العالم - ربما الى الكويت حيث لا ذباب في المطار، الحمد الله يا ربي اذن على اللاذباب الذي انعمت - مرسي (2) يا ربي. ربما الى جهنم العراق التي كانت امي تتمناها لي في شقوة طفولتي ـ اعتقد ان السيدة العراق مناسبة جدا.
المشكلة يا سيدي الاخ الحزين والحبيب انها امسية شتائية - وفي الشتاء تبدأ قدمي تتفكر ورأسي يقوم باعمال اخرى والله لا ادري كنهها تماما انما هي من فصيلة: احلام - تأمل- كسل - دور الركود الشتائي عند الضفادع وما شابه.
انت ترى، اكتب لك متأقلما مع كونك غائبا. متأقلم تعبير سخيف، اعني انا اكتب وانت حضور غائب معترف به، في فمي - انا لا اتحدث عن غيابك بل انني لا اتحدث الا عن غيابك فبعد رحيلك الذي تموضع نهائيا ورحيل قطعة كبدي الجيدة المذاق الصغيرة محمد زيدان وبعد تلك الكوكبة الممتازة من فرسان الحزن الشجعان الذين عبروا بسنابك خيلهم طريق قلبي البري، بعدكم ها ان الحياة كلمات كلمات. فليدق الله عظامكم وليحسن الدق يا ربي. احب ان تحملني عاصفة فتطوف بي فوق حقول الزيتون المغبرة - لا ارض لقدمي المفكرة العظيمة.
وبعد: فإن شهادة حسن السلوك قد ارسلها جودت (٣)، ها انت فتى حسن السلوك وحسن الطلعة ولكن: حسن طلعتك ايه من غير صديق يهواك (٤)؟ الشتاء يدق الباب - اقتربوا ايها الاصدقاء - الواحد من الاخر اقتربوا اقول - صادق ومحمد لكما حبي مدفأة.
****
هوامش الرسائل
(١) من الارصاد الجوية في عمان بعد ان سافر صادق الى الكويت.
(٢) شكرا بالفرنسية.
(٣) شقيق تيسير سبول.
(٤) على وزن اغنية ام كلثوم «عزت جمالك فين من غير دليل يهواك».















