الغلاف وحهات نظر آراء ثقافية ذاكرة ثانية.. استقراء المكان لمعرفة المكين

نوارس أدبية

الاثنين
فبراير 06
English Bulgarian Chinese (Simplified) Chinese (Traditional) Croatian Czech Danish Dutch Finnish French German Greek Hindi Italian Japanese Korean Polish Portuguese Romanian Russian Spanish Swedish Filipino Latvian Lithuanian Serbian Slovak Ukrainian Vietnamese Albanian Hungarian Thai Turkish

ذاكرة ثانية.. استقراء المكان لمعرفة المكين

إرسال إلى صديق طباعة PDF
( 0 - عدد مرات التقييم )

القهوة مكانا أليفاً... القهوة شراباً أنيقاً

المقهي: هو مكان يرتاده بعض الناس، للقاء، او تمضية بعض اوقات الفراغ في الثرثرة وقد تكون هادفة او فارغة، او في انتظار صديق، او لقراءة صحيفة او مجلة، مع احتساء الشاي او القهوة، والمقاهي انواع، سواء علي مستوي المكان ام المرتادين، فهناك مقهي المحلة، وهذه ظاهرة كانت بارزة وواضحة في الحياة العراقية، يكون خاصا بأبناء المحلة، وغالبا ما يكون داخلها، او في مكان بارز فيها، وهذا الطقس، تلاشي او كاد مع تطور الحياة وتعقدها،وتشرنق الانسان، وبحثه عن عالمه الخاص، الذي يقضيه غالبا في المنزل، بعد ساعات من العمل، يمضيه بمتابعة التلفاز او مطالعة الجريدة اليومية، او امام الشبكة العنكبوتية، فضلا علي المقاهي العامة، التي تكون في الاماكن الكثيفة بشريا، مع عدم نسياننا المقاهي الخاصة بالمهن - وهذه هي الاخري تكاد تتلاشي من الحياة العراقية - فهذا المقهي للتجار، وثان للمحامين، واخري لعمال المَسْطَر، ورابع للمثقفين، وهو ما يعنيني في حديثي هذا.
لقد كان المقهي الثقافي مَعْلَما بارزا في الحياة الثقافية الاوربية، ولقد اشتهرت باريس بمقاهيها التي تأخذ حيزا من الشارع، وهو ما شاهدته في العاصمة التونسية الرائعة وخاصة المقاهي المطلة علي شارع الحبيب بو رقيبة، والتي كانت مثابة للعديد من ادباء فرنسة، ولقد رأيناأ أأينا العديد من الصور التي تظهر جان بول سارتر مع صديقته سيمون دي بوفوار وهما جالسان في مقهي من مقاهي باريس، وخاصة في شارع الشانزليزيه، يتحدثان ويناقشان ويكتبان، ولم يكتفيا بهذه العلاقة، بل ضمهما قبر واحد بالرغم من ان بوفوار ماتت بعد سارتر بست سنوات!! في 14/4/1986، والدنيا ضاجة بالاعاجيب، اذ توفي سارتر 14/4/1980.
كما ان العديد من ابداعات ارنست همنغوي شهدت النور في المقهي الثقافي، كان يواصل الكتابة علي الرغم من الضجيج والزعيق، في حين كان المقهي مكانا اثيرا للشاعر المدوي إزرا باوند.

مقهي الفيشاوي
في طنجة مدينة الاديب المغربي محمد شكري، اخذ المقهي حيزا بارزا في حياته، فهو المكان الذي التقي فيه بها - فضلا علي الحانة - مع اصدقائه: محمد بنيس ومحمد برادة، والصعلوك جان جينيه وتينسي ويليامز وبول باولز، وقد خص كلا من الثلاثة الاخيرين بكتاب بعينه، اطلق عليه الاسم ذاته، فالاول جان جينيه في طنجة، وثان لويليامز وثالث لباولز.
في القاهرة، اشتهرت مقهي الفيشاوي كونه طقسا يوميا للروائي نجيب محفوظ ، وقد تحلق حوله عدد من ادباء مصر وكتابها، وفي دمشق كانت مقهي (المحطة) مثابة لادبائها، وكانت مكانا يلتقي فيه الاديب متعدد المواهب صدقي اسماعيل باصدقائه من ادباء سورية وخاصة ممن ينحدرون من لواء الاسكندرونة مسقط رأسه مثل بدوي الجبل وسليمان العيسي، صدقي الاديب الذي تخرمه الموت سريعا 1974، ولما يكمل عقده الخامس!! فضلا علي مقهي الروضة في دمشق الذي يكاد يكون مثابة للمثقفين العراقيين المقيمين في سورية وفيه التقيت بصديقي الناقد حسين سرمك حسن، وهل ننسي (أبو حالوب) الذي اصبح مَعْلَما من معالمه؟
واذ خص الروائي نجيب محفوظ عالم المقهي برواية (قشتمر) حيث قدم لنا حيوات عدد من الاصدقاء منذ الطفولة وحتي الشيخوخة وفي زمان تجاوز الستة عقود وفي صفحات تقترب من المئة والخمسين صفحة، رواية مكثفة، أبحرت بنا منذ بدايات القرن العشرين منتهية بمقتل الرئيس أنور السادات عام 1981، فإن اديبنا الراحل غائب طعمة فرمان خص عالم المقهي برواية (القربان) كما ان العديد من احداث رواية (الوجه الآخر) للروائي الكبير فؤاد التكرلي ، إنما تجري في مقهي (حسن عجمي) وكذلك روايته؛ رائعته الاخري (المسرات والاوجاع) وفي رواية (منزل السرور) للروائي ناطق خلوصي، يرد ذكر لمقهيي (حسن عجمي) و(الشابندر) كذلك.

مقهي الزهاوي في بغداد
من اقدم مقاهي بغداد الثقافية (مقهي الزهاوي) التي كان يرتادها الشاعر جميل صدقي الزهاوي (1863 - 1936) واخذت اسمها من لقبه، فضلا علي تلك المقهي المطلة علي دجلة والتي اتخذها معروف الرصافي (1875 - 1945) أخريات ايامه، يوم عاد الي محلة السفينة بالاعظمية، بعد مبارحته لمدينة الفلوجة اثر احداث مايس من عام 1941، مكانا للالتقاء باصدقائه وكان من احدي ارهاصاتها قصيدته الجميلة التي ستبقي في الذاكرة طويلا وهو يصف منظر الغروب؛ غروب الشمس في يوم شتائي بغدادي أعظمي جميل:
نزلت تجر الي الغروب ذيولا - صفراه تشبه عاشقا مَتْبولاً
ولقد شهد المقهي الثقافي أزهي عهوده في الخمسينات والستينات وكان اكثرها يتربع علي واجهات شارع الرشيد، الذي ما عاد شارعا وما عاد رشيدا علي حد وصف المبدع العراقي المغترب شوقي عبد الامير الذي زاره في شهر تشرين الاول من عام 2007، البلدية، البرلمان، حسن عجمي، البرازيلية، فضلا علي مقهي ياسين بشارع أبي نؤاس الذي تحول الي فندق اسمنتي أصم، ويجب ان لا ننسي مقهي المعقدين ومقهي الشابندر مثابة الادباء حتي وقتنا الحالي، وكما افاض الروائيون في ذكر المقهي الثقافي، فإن الشاعر والباحث سامي مهدي، اعطي هذا المكان حصته وهو يكتب كتابه السجالي المثير (الموجة الصاخبة. شعر الستينات في العراق) الصادر عام 1994، وكذلك الشاعر والناقد والنحوي اللغوي مالك المطلبي في كتابه الممتع والجميل الموسوم بـ(ذاكرة الكتابة. حفريات في اللاوعي المهمل).
لقد درس الغرب المكان جماليا، وفي الذاكرة، ذلك الكتاب الذي كتبه الفيلسوف الظاهراتي الفرنسي (غاستون باشلار) ودرس فيه جماليات المكان، الصغير والكبير، المتناهي في الصغر، المتناهي في الكبر، العلية، الصحراء، البيت، لا بل درس (القوقعة) ذلك البيت الذي ينمو مع ساكنه، هو احدي عجائب الكون، كما درس الناقد العراقي ياسين النصير، المكان روائيا، اذ درس البئر، المقهي، الكوخ، الغرف، السلالم، الشارع، الصحراء، المكان المتحرك، السفينة، كما لدي الروائي الفلسطيني الراحل جبرا ابراهيم جبرا، السيارة كما لدي الروائي والمسرحي العراقي الكبير محيي الدين زنكنة في روايته (ئاسوس) مملكة المياه في كتابه (الرواية والمكان) بجزءيه، لكن باشلار لم يدرس المقهي جماليا، واكتفي بما ذكرت آنفا، في كتابه الذي ترجمه الاديب الفلسطيني الراحل غالب هَلَسا، ونشر عام 1980، ويري باشلار ان المكان يستمد جماليته من الألفة فأن تحب المكان وتتجذر فيه من ألفته، وزيادة الترداد عليه، ولهذا أحب الناس مساقط رؤوسهم تعلقوا بها، وكذلك الاماكن التي عاشوا فيها، لذا يصعب علي الانسان تغيير بلاده واماكنه الأليفة، ومن هنا رأينا الغربة ومعاناتها والاغتراب الجسدي عن المكان وتري الانسان يحن لأول منزل بخلاف ما يذكره الوجوديون من اننا حين نولد نلقي في اماكن معادية، نولد منفيين، في حين ان المكان يستمد هناءته من معايشته وادامة الصلة به، ولعل هذا ناتج من غربة الوجوديين بشقيها المؤمن الذي يمثله كيركجارد، وشقها الشاك، الحائر، المتسائل ولا اقول الملحد الذي يمثله سارتر، ويقترب الفيلسوف الماركسي جيورجيان هابرماس، من آراء باشلار في الفة المكان وتأثيراته، فهو يري ان القهوة كانت مشروبا اسهم بشكل كبير في التغييرات الثقافية والاجتماعية الاوربية الحديثة.

إلفة المكان وجماليته
واذ يعزو بعضهم الي ما تحتويه القهوة من مادة الكافايين المنشطة للذاكرة، فضلا علي ما تحمله من عوالم الادمان، فإن هابرماس يعزو تأثيرها الي المكان والفته وجماليته، فالقهوة او المقهي مكانا، وليست القهوة مادة منشطة، او مشروبا محتسي، وراء ما انتجته المقاهي من تأثيرات في النشاطات الثقافية والاجتماعية في اوربة الحديثة.
اري ان رأي المفكر هابرماس اكثر وجاهة من رأي من قال بسببية القهوة مادة محتساة في التوجهات الحاصلة في اوربة، اذن ما الذي سنقوله عن الشاي شرابا؟ وهو الذي يقدم في الكثير من المقاهي الاوربية؟ وان كنت لا انفي شعبية الشاي وتواضعه، امام ارستقراطية القهوة وبهرجتها وتأنقها، فلقد ارتبط الشاي مع غذاء الفقراء والناس البسطاء، في حين ظلت القهوة مشروب العِلْيَة والمتأنقين ولعل ذلك راجع الي نوعية السائل وكثافته ونوعية احتسائه، فشرب القهوة علي مهل، يوحي بالتأمل والهدوء والتفكر، وما اري غريمها الشاي الا خلاف ذلك!!
 

آخر تحديث ( الاثنين, 30 أغسطس 2010 03:06 )  
كاتب هذا المقال: شكيب كاظم - الزمان اللندنية

جديد منتدى المعهد العربي

إشترك الآن للحصول على النشرات الدورية


آخر المقالات

الأكثر قراءة