من أجل رفع أي لبس يمكن أن يسقط فيه المتلقي إثر حديثنا أو قولنا بالكتابة النسائية، نسجل مبدئيا أن تبني مصطلح "الكتابة النسائية"، أو، " الإبداع النسائي" بصفة عامة من طرفنا لا يعبر عن نظرة تجزيئية للأدب، بل نطمح من خلاله منهجيا إلى الكشف عن الجرح الأنثوي الذي يسكن الكتابة النسائية و عن قواعد لعبة الانتماء من خلال فعل الكتابة عند أقلية فاعلة داخل مشهدنا الثقافي العربي. كما نسعى من خلاله إلى جس النبض الخاص بالنصوص النسائية لمعرفة كيف تمارس المرأة شغبها داخل النص بمستوياته كأفق للإبداع و الحرية، منتقدة الواقع و ممارسة لعنف المتخيل.
إن السؤال المركزي الذي يمثل صلب هذه الدراسة يمكننا طرحه في الصيغة التالية: لماذا هذا الاهتمام المتنامي حاضرا بالمرأة، و الكتابة النسائية خاصة، و الإبداع النسائي عامة؟
إن تأمل المشهد الثقافي من وجهة نظر التراكم الكمي و الكيفي على مستوى إنتاج المرأة الإبداعي – خاصة في مجال الراوية- غير كاف بطبيعة الحال لصياغة الإجابة المناسبة عن السؤال المطروح، و نظرا لجدلية الثقافي و السياسي، ينبغي أن نضع في اعتبارنا الجو السوسيو-سياسي في كلتيه علنا نصل إلى إدراك جواب مقنع للسؤال المطروح.
منذ الخمسينات من هذا القرن، هيمنت على الساحة الفكرية العربية المنظومة الاشتراكية التي كادت تصير قناعة مشتركة عند الأنتلجانسيا العربية، و في معالجته للقضية النسائية ربط الفكر الاشتراكي تطور المرأة بالعامل الاقتصادي و أكد على مبدأ المساواة بين الجنسين ( الذكور والإناث) من خلال شرطهم الاجتماعي و موقعهم الطبقي الذي يحدد سلوكهم الإيديولوجي. و بذلك، تم تغييب الخصوصيات التي تميز الجنسين سواء على مستوى العمل السياسي أو الفعل الثقافي عن طريق إدماج مشاكل المرأة في عموم المشاكل الإجتماعية، و ربطها بطريقة ميكانيكية بالنضال الطبقي، نظرا لقناعة الفكر الاشتراكي بأن المجتمع اللاطبقي هو الذي سيحرر المرأة. فمن خلال هذه الرؤية الاشتراكية، تم تغليب الحقوق الاجتماعية على حساب حق المواطنة و الاختلاف، فاعتبرت كل دعوة تؤكد على خصوصية التجربة النسائية العربية بأنها دعوة انفصالية مستلبة للنزعة النسوانية الغربية. كما أننا نجد بعض الأدبيات أنفسهن رأت في التأكيد على الخصوصية النسائية ثقافيا و سياسيا دعوة إلى الانغلاق في "جيتو" حريمي ينقص من قيمة المرأة.
على المستوى الإبداعي، نلاحظ أن تجربة المرأة الشعرية خاصة منذ العصور الأولى قامت على تقليد النموذج الشعري الذكوري الذي كان يمثل الذاكرة الثقافية التي تتكئ عليها تجربة المرأة الشعرية. لكن مع ظهور الفن الروائي أوائل هذا القرن، سنجد أن الرواية ستلعب دور المنفعل الإيجابي بالتغيرات الاجتماعية و السياسية التي يعرفها المجتمع، مما دفع بعض النقاد إلى اعتبار الرواية مرآة للمجتمع، و لقد جاء الفن الروائي ليفجر المكبوت النسائي، إذ أننا نلاحظ في السنوات الأخيرة أن الرواية تعد النوع الأدبي الذي مارسته المرأة العربية بحماس كبير منذ صدور رواية " أنا أحيا" لليلى بلعبكي و"أيام معه "لكولييت خوري سنة 1958. ومع صدور هاتين الروايتين، ظهر على مستوى القاموس الإبداعي والنقد الأدبي مصطلح جديد "الكتابة النسائية" "أدب المرأة" ولقد أثارت هذه التسمية التي تتضمن إشكالية تصنيف الأدب على أساس الاختلاف الجنسي جدلا بين النقاد والأدباء، فبالنسبة للكتابات المغربيات مثلا، نلاحظ أن مصطلح "الأدب النسائي" لم يحض باهتمامهن ولم يثر أي سجال عندهن باعتباره إشكالية ثقافية تدعو إلى التأمل والدراسة. إن موقف بعض الكاتبات المغربيات وأخص بالذكر منهن، ليلى أبو زيد *، خناتة بنونة ومليكة العاصمي* يختزل في أجوبة على أسئلة صحيفة محدودة ومختصرة طرحت عليهن.
فمن خلال الحوار الذي ظهر للروائية ليلى أبو زيد في جريدة "الحياة" وردا على سؤال انصب حول مشروعية مصطلح "أدب المرأة"، تقول إن هذا المصطلح ظهر في أمريكا، وساهمت الحركة النسائية في صياغة النظرية النقدية الخاصة به التي كانت حافزا لكثير من النقاد الذين أعادوا قراءة "الأدب النسائي". ثم تنتقل بعد ذلك لتحديد بعض ملامح الكتابة النسائية كما جاءت بها النظرية الأمريكية التي ترى أن "للمرأة الجذور الثقافية نفسها التي للرجل، لكنها، مجموعة ثقافية نفسية مختلفة داخل الشكل الاجتماعي، مما، يعطي لكتابتها تمييزا يختلف عن التجربة الرجالية، ومن ملامح هذه الكتابة المنظور الخاص بالمرأة تجاه الحياة والمجتمع.
إن السؤال يسعى إلى معرفة موقف ليلى أبو زيد باعتبارها كاتبة مغربية من إشكالية محددة هي مشروعية مصطلح "الأدب النسائي". ولم يرهن السؤال هذه المشروعية في بلد محدد أو حقبة زمنية معينة، غير أن الكاتبة من خلال جوابها لجأت إلى معالجة السؤال انطلاقا من نظرية "الأدب النسائي" في أمريكا وأوربا باعتبارهما المهد الأصلي لهذا المصطلح، وبقيت ملتزمة بهذه الحدود، فرغم أن السؤال الموجه إليها. (هناك مصطلح "الأدب النسائي" فما حقيقة ومشروع هذا المصطلح"؟). يتميز بالانفتاح وغياب التحديد، فإنها لم تجعل من الحديث عن نظرية الأدب النسائي في أمريكا مدخلا للحديث والتساؤل عن موقع هذا المصطلح في المشهد النقدي العربي عامة والمغربي خاصة، ربما يعود سبب ذلك إلى طبيعة الحوار الصحفي الذي يتسم أحيانا بالسرعة والإيجاز، ومع ذلك، إلى أي حد يمكن اعتبار الاقتصار والتركيز على تحديد بعض ملامح "الأدب النسائي " انطلاقا من النظرية الأمريكية إقرارا ضمنيا بهذا المصطلح الجديد "الأدب النسائي". ومما يدفعنا إلى ترجيح هذا الاعتقاد هو تساؤل الكاتبة في بداية ردها عن استمرارية النقاد العرب في التشكيك في مشروعية هذا المصطلح (... و مازال النقاد العرب يتساءلون: هل هذا المصطلح له مشروعية داخل الأدب ؟ ) .
أما بالنسبة للقصاصة والروائية خناتة بنونة فمن خلال حوار أجراه معها الكاتب بول شاوول حول وجود أدب نسائي في المغرب تقول "أعتبر هذا التصنيف رجاليا" من أجل الإبقاء على تلك الحواجز الحريمية الموجودة في عالمنا العربي وترسيخها وتدعيمها حتى في مجال الإبداع ". وفي رد لها على سؤال آخر يتعلق بمبررات وجود مصطلح "الأدب النسائي" في الواقع الراهن، تقول"إذا أخذنا وجهة النظر هذه يكون التصنيف مبررا. لكن عند الجيل الجديد الذي يحمل أفكارا متطورة ويقوم الوضع ضمن متطورات واقعية وحديثة ويصبح إبقاؤها على هذه التصنيفات نوعا من الظلم للمرأة وإدانة لهم " .
إن الغموض الذي ينبغي توضيحه -في نظري- هو أن القول بالأدب النسائي لا يعني بالضرورة التصنيف والتقسيم داخل الأدب بقدر ما نسعى من خلاله إلى التحرر والجرأة على المطالبة بالاختلاف الإيجابي كحق مشروع.
أما بالنسبة للشاعرة مليكة العاصمي فإنها تنطلق في بداية ردها من التأكيد على مسلمة لها دلالتها، تتحدد في كون "أدب المرأة" هو أدب فئة اجتماعية، ثم، تقر بخاصية مميزة لهذه الفئة الاجتماعية على مستوى الإبداع، وهذا اعتراف مبدئي وإقرار أولى بمصطلح "أدب المرأة". وفي ختام كلامها نرفض تقسيم الأدب في إطار تراتبي، تقول: "من الأكيد أن أدب المرأة يحمل سمات خاصة، كما أن أدب كل مجتمع وكل فئة وكل طبقة يحمل سمات خاصة، لكنني لا أميل إلى تقسيم الأدب كما يقسم العالم ذلك التقسيم النخبوي السائد الذي يجعل أدب الغرب أرقى أنواع الأدب وسيجعل أدب المرأة بالتالي في آخر السلم التراتبي النخبوي.
فإذا أردنا تلخيص موقف كل من ليلى وخناتة ومليكة من مصطلح "الأدب النسائي" نلاحظ، أن الروائية ليلى أبوزيد تقر بطريقة غير مباشرة بوجود كتابة إبداعية نسائية لها حساسيتها، أما خناثة بنونة فإنها تعتبر أن التصنيف داخل الأدب ظلم للمرأة وبهذا ترفض بشكل حاسم القول بوجود "أدب نسائي ". أما بالنسبة للشاعرة مليكة العاصمي فموقفها يتأرجح بين القبول والرفض، ففي البداية تنطلق من الاعتراف الضمني بمصطلح " الأدب لنسائي" ثم تتراجع عن هذا الموقف على اعتبار أن القول بمصطلح "أدب المرأة " يسجن – على حد تعبيرها – أدب المرأة في آخر السلم الترابي النخبوي.
إن الرفض والتردد الذي تتميز به وجهات النظر المقدمة من طرف كل من خناثة بنونة ومليكة العاصمي لمصطلح " الأدب النسائي" آت – في نظري – من عدم تحديد تعريف كلمة "نسائي" التي تحمل حسب التصور التقليدي دلالات مشحونة بالمفهوم الحريمي الاحتقاري، ومن غياب بعد نقدي يعمل على تفكيك هذه الظاهرة داخليا ويسعى إلى البحث عن أسباب وجود خصائصها المميزة.
لكن إثر فشل التجارب الاشتراكية على المستوى الاجتماعي والسياسي، نلاحظ على مستوى المشهد النقدي تراجعا في تبنى المنهج الواقعي والاجتماعي الذي يقوم على نظرة ميكانيكية تتعامل مع الأدب كانعكاس مباشر للواقع المادي وبالتالي، لا تستطيع أن تقدم تفسيرا مقنعا لظاهرة "الكتابة النسائية" لأنها تنكر دور الذات المبدعة التي يمر عبر واسطتها الإبداع الأدبي (المرأة كخصوصية) بدعوى المساواة على حساب الحق في الاختلاف.
إن حدة الوعي بالكتابة النسائية حاليا يمكن إرجاعها إلى الشروط التاريخية والثقافية الجديدة التي تتمثل في ما يلي:
1- تراجع المواقف الشعبوية التي كانت تقصي حق المرأة في الاختلاف بسبب أزمة المنظومات الكليانية، الوجودية والماركسية على سبيل المثال، وبسبب التحولات التي حدثت على مستوى المعسكر الشرقي الذي لم تعرف وضعية المرأة فيه نقلة جذرية رغم أنه يعتبر مهد المنظومة الاشتراكية.
2- نتيجة هذا الوضع الجديد الذي يتسم بتراجع هذه المنظومات الكبرى، نلاحظ تصاعدا مطردا على المستوى العالمي للقضايا المرتبطة بالأقليات العرقية والثقافية التي بدأت ترفع صوتها مدافعة عن هويتها وضمنها قضية المرأة التي عرفت دينامية خاصة باعتبارها مطلبا ثقافيا في كثير من دول الشمال والجنوب.
3- التبشير بالمجتمع المدني، مجتمع المؤسسات والحقوق المدنية في كثير من دول العالم الثالث بسبب الانفراجات التي يعرفها المسار الديمقراطي في سياق هذا المناخ السياسي أصبحت قضية المرأة بندا أساسيا في برامج الأحزاب والجمعيات الحقوقية والثقافية.
4- إذا كانت سنوات السبعينات قد تميزت بهيمنة الإيديولوجية، فالملاحظ أن سنوات الثمانينات تتميز بتنامي خطابات الديموقراطية و حقوق الإنسان الشيء الذي جعل الحركة النسائية تعرف مدا ملحوظا على كثير من المستويات.
5- تزامنا مع هذه التحولات السوسيو-سياسية عرف مصطلح " الكتابة النسائية" صحوة ثقافية يمكن رصدها من ثلاث زوايا: أ- الإصدارات النسائية، ب- الندوات ج- الدوريات و دور النشر. فبالنسبة للإصدارات النسائية، نلاحظ، أن المرأة المبدعة قد حققت نوعا من التراكم الكمي و الكيفي خاصة على مستوى السرد. كما أن الملتقيات التي تتمحور حول الكتابة النسائية و التي دشنتها على مستوى العالم العربي جمعية الإبداع النسائي بمدينة فاس أوائل التسعينات تقوم بدور أساسي يتمثل في تعميق النظر و فتح الحوار الجاد حول قضايا المرأة الثقافية و تفعيل دورها و تواجدها في مشهدنا الأدبي العربي. أما بالنسبة للدوريات المتخصصة في " الكتابة النسائية" و قضايا المرأة المعرفية: هاجر- عيون جديدة (نور(مجلة و دار النشر)(مصر، أشرعة (الإمارات)، الكاتبة (لندن)، فقد جاء صدورها ليعزز الأطروحات الثقافية و النقدية التي تقول بخصوصية الكتابة النسائية.
6- إن تزايد هيمنة التحليل البنيوي و صعود النظرية التفكيكية بريادة جاك ديريدا التي تقول بالاختلاف، و تقر بالتعدد و المغايرة منتقدة كثيرا من المفاهيم الميتافيزيقية التي تقوم على النزعة المركزية، داعية إلى الإنصات إلى المهمش و المسكوت عنه جعل مصطلح الكتابة النسائية يعرف صحوة ثقافية متميزة.
إن حديثنا عن الخلفية السوسيو- سياسية المتحكمة في تنشيط عودة الوعي لمصطلح " الكتابة النسائية" على مستوى المشهد الثقافي العربي يفضي بنا إلى بحث ملامح و تمظهرات خصوصية هذه الكتابة مساهمة منا في تعميق التفكير و تطوير النقاش حول هذا المصطلح/الظاهرة كخطوة منهجية أساسية في أفق بلورة تصور نقدي للكتابة النسائية ينبني و يقوم على فرضيات و ليس مجرد إسقاط واختزال.
فالكتابة النسائية باعتبارها نشاطا إبداعيا هي موجودة فعلا منذ الخنساء حتى حنان الشيخ و سحر خليفة ، لأن كل ما تكتبه المرأة –حسب فرجينا وولف- هو دائما نسائي و لا يمكن أن يكون إلا نسائيا، و الكتابة الصادرة عن المرأة كما هو معروف تعتبر كتابة فئة كانت تعيش على الهامش، لكنها اليوم نراها تزحف بإصرار و صمت نحو مركز الفعل الثقافي و السياسي. فمن خلال مقاربتنا لبعض الإصدارات خاصة على مستوى السرد(القصة/الرواية) انطلاقا من بعض المكونات السردية التي تتمثل في الشخوص – اللغة - التيمة. نلاحظ، أن السمات العامة التي تتميز بها الكتابة النسائية تتحدد أساسا في الحضور المرتفع للمرأة (البطلة)، امرأة ترفض الموروث، تثور على البيئة التقليدية و تتوق إلى الانعتاق، فمنذ "لينا فياض" في (أنا أحيا) و "ليلى" في (الباب المفتوح) حتى ليلى في (النار و الاختيار) و"عفاف" في (مذكرات امرأة غير واقعية) و نحن نجد هذا البطل الأنثوي الذي يحتج على الوضع الدوني ويرفض "الجيتو" الحريمي و يثور على السلطة الذكورية مطالبا إياها بالنظر إلى المرأة كإنسان و ليس كذات للركوب و إقبار الشهرة.
و باعتبار تداخل العلاقة بين الذات الكاتبة –السارد- العامل/الذات(البطلة) يؤدي الحضور المرتفع لهذه الأخيرة إلى هيمنة "الأنا" (ضمير المتكلم)، و تفسير هذا يكمن في كون الكتابة بصفة عامة كانت عبارة عن ميدان يكاد يقتصر تاريخيا على الرجل و بمجرد ما أتيحت الفرصة للمرأة لامتلاك سلطة الكلمة، التجأت إلى ربط الهوية بالكتابة بإلحاح كرد فعل على الممارسة التقليدية التي كانت تعمل باستمرار على التشكيك في وجودها الإنساني. أيضا، و اعتمادا على بعض الدراسات الأخرى التي قمنا بها لمجموعة من النصوص السردية التي أبدعتها كاتبات عربيات و أخص بالذكر قصص و روايات خناثة بنونة تلك، التي تمحور حولها كتابنا (المرأة و الكتابة: سؤال الخصوصية/بلاغة الاختلاف)، نجد أن البطل الأنثوي في أغلب الحالات لا يتمكن من امتلاك كل عناصر القدرة أربعة(إرادة الفعل- وجوب الفعل-استطاعة الفعل-معرفة الفعل) التي تعتبر شروطا ممهدة و مؤهلة لتحقيق فعل التحول(أي الإنجاز والمزاولة (performance) الذي يفيد (التحرر) حسب معناه الإيحائي بالنسبة للمتن المذكور.
إن هيمنة حضور البطل الأنثوي في كثير من النصوص السردية تسعى من خلالها الكاتبة إلى الكشف عن الموقع الاجتماعي الذي تحتله المرأة داخل الهرم المجتمعي، و بهذا، ترتبط الكتابة النسائية بما هو آني و مرحلي (الشرط الاجتماعي) بوجوهه المتعددة القهر- الاضطهاد- و الدونية. لكن، هذا الوضع الذي تعاني منه المرأة و الذي ينعكس بدوره على كتابتها له علاقة بمواصفات تاريخية، ثقافية وسياسية قد تؤول إلى الزوال إذا غابت شروطها الموضوعية، و هذا ما يجعل من الموقع الاجتماعي تعبيرا عن لحظة في مسار الكتابة النسائية و ليس شرطا محددا لها.
و بإلقاء نظرة سريعة على تراثنا الأدبي ندرك حتما أن مجال المرأة الأدبي يتغير تبعا لحركية العصر و تطوره، فالخنساء مثلا، أجادت قول الشعر في غرض فني واحد هو "الرثاء" شأنها كل شعراء العصر الجاهلي تقريبا، و كاد الشاعر النابغة الذبياني أن يعتبرها أشعر الجن و الإنس، و لم تتجاوز الخنساء قول الشعر في الرثاء إلى أغراض فنية أخرى كالغزل مثلا، نظرا لظروف المجتمع الأبيسي الذي كانت تعيش فيه. و الذي كان يعتبر أن المرأة الشاعرة لا يمكنها أن تجيد قول الشعر في أغراض شعرية أخرى دون الرثاء نظرا لعلاقته بتركيبة الأنثى النفسية، لكن، و من خلال العصور التي تلت العصر الجاهلي، نلاحظ، أن المرأة العربية قد أثبتت عكس ذلك. فتبعا للتطور الحضاري الذي سيعرفه المجتمع العربي في العصرين العباسي و الأندلسي، مثلا، سنجد أن المستوى الحضاري الذي عرفه هذان العصران قد أفرز نماذج نسائية أكثر تحررا و جرأة، مثل، علية أخت الرشيد و ولادة بنت المستكفي. فكل واحدة منهما لها قصائد في الغزل متجاوزة بذلك الإطار الذي أجبرت المرأة الشاعرة في العصرين الجاهلي والإسلامي على التزام حدوده.
من خلال هذه الأمثلة التاريخية يتأكد لنا تقاطع و تداخل العاملين معا (الجنس/الشرط الاجتماعي) في تحديدهما لمسار الإبداع النسائي، غير، أن دور العامل الموضوعي المتمثل في الاضطهاد والدونية يمكن أن يعتبر نسبيا عاملا غير قار و عنصرا قابلا للتحول ينتفي بزوال الشروط التحتية التي تساهم في وجوده. أما بالنسبة للشرط الجنسي( المرأة كخصوصية) فإنه يعتبر عنصرا ثابتا يتحدد من خلال النوع ( الجسد) باعتباره قيمة أزلية.
أما إذا حاولنا رصد اللغة و التيمات باعتبارهما مستويات لتحليل بعض النصوص السردية النسائية فإن إشكالا آخر يطرح نفسه فالتيمة و اللغة تجمع بينهما علاقات متداخلة، فليس هناك فرق بين الموضوع و اللغة، إذ اللغة هي التي توجد الموضوع و تحدد مداره. كما أن أي موضوع يحمل في معطفه معجمه الخاص و أدواته التعبيرية، لكن، لا ينبغي قراءة الكتابة النسائية و ربط خصوصيتها باللغة كمفهوم تجريدي سابق عن فعل الكلام، هذا، يتطلب منا توضيحا و تحديدا لمسألة اللغة. فاللغة التي تقابل مصطلح la langue تعتبر نظاما متعاليا و مشتركا بين جميع المتكلمين الذين يستعملونها، والتركيز على الكتابة في علاقتها باللغة يجب أن يبحث عنه داخل ما يسميه اللسانيون بالكلام la parole الذي ينتمي إليه مجال الإبداع، في هذا السياق، نرى أن الكتابة النسائية ككل كتابة مغايرة، يمكن مقاربتها من زاوية التنويعات الأسلوبية التي ترتبط بالذات المتلفظة. و هذا، ما يحدو بنا إلى القول إن علاقة كل من محمد شكري و محمد زفزاف و إدريس الخوري باللغة ليست هي علاقة خناثة بنونة ورفيقة الطبيعة و ليلى أبو زيد و زهرة زيراوي مثلا. بمعنى أن علاقة المرأة ( المبدعة) باللغة علاقة يحكمها "التابو" اللغوي أكثر مما يحكم الكتابة عند الرجل الشيء الذي يتجلى على مستوى الشفوي.
هذه السمات العامة المحددة لخصوصية الكتابة النسائية رغم أهميتها تبقى سمات جنينية وتلقائية غير كافية لإيجاد تصور نقدي يحدد الحساسية النسائية على مستوى الإبداع، و يقدم بالتالي الأسس النظرية التي يمكن أن تقوم عليه هذه الكتابة التي يجب حسب قناعتي الفكرية و النظرية – أن تطالب بحقها في الاختلاف مع المساواة عن طريق تفجير الحوار بين الكتابة و الجسد بكل طقوسه( حمل- حيض- ولادة- رضاعة). حتى تنساب اللغة انسياب الحليب و الدم حسب تعبير فرنسوا كليدا، فعلى المرأة (المبدعة) إذن، أن تكتب جسدها تيمة و لغة لكي تعيد له حقه الاعتباري (لأنه كان مصدر شقاء لبنات حواء بسبب اجتهادات كثير من الأدباء و المفكرين و الفلاسفة). ففضاء الكتابة النسائية ينبغي أن يتأنث انطلاقا من الداخل (الجسد) باعتباره معطى إنسانيا يتميز بخصوصية بيولوجية و فيزيولية يمكن اعتبارها المادة الخام لنحت الكلمات و الصور البلاغية. فلقد قاومت بنيلوب من خلال تفكيك خيوط نسيجها رغبة الرجال في الهيمنة و الاستحواذ عليها، حيث مثلت صناعة النسيج من طرف بنيلوب خلاصا لها ضد الراغبين في احتلال مكان زوجها " أوليس" الذي طال غيابه. كما أن شهرزاد بدورها قد قاومت الموت المحقق بفعل غواية الحكي. و هذا ما يؤكد مشروعية الخصوصية في الكتابة و الإبداع النسائي كمجال للمواجهة والمقاومة.
الهامش:
1 - رشيدة بنمسعود: المرأة و الكتابة: سؤال الخصوصية / بلاغة الاختلاف. افريقيا الشرق.
2 - جريدة "الحياة" الاثنين 18 ديسمبر 1995 أجرى الحوار : مازن بلال.
3 - بالنسبة للكاتبة خناثة بنونة و الكاتبة مليكة العاصمي، سبق لي أن ناقشت وجهة نظرهما تجاه إشكالية "الأدب النسائي" في كتاب صدر عن (المرأة و الكتابة: سؤال الخصوصية/بلاغة الاختلاف. إفريقيا الشرق) و نظرا لكون وجهات النظر الصادرة عن الكاتبتين لم تتغير فيما يتعلق بمصطلح ( الأدب النسائي) ارتأيت الرجوع إليها من أجل تعميق النظر فيهما.
4 - خناثة بنونة: ليسقط الصمت- دار الكتاب، الصورة و الصوت- دار النشر المغربية، النار و الاختيار- مطبعة الرسالة.
5 - اعتمدنا في هذا المجال التحليل على منهج كرنماس- لمزيد من التفصيل انظر: المرأة والكتابة: سؤال الخصوصية / بلاغة الاختلاف.















