لم يكن رشيد سليم الخوري الشاعر القروي يدرك قيمة رحلته ورحلة أصحابه المهجرية، ولم يكن ليتخيل يوماً ما يحدث اليوم، فعندما علمت حكومة الوحدة أن القروي يتمنى زيارة سورية ولكن العوائق تحول أرسلت له، جاء القروي عبر البحر في رحلة طويلة ليصل إلى ميناء اللاذقية وبعد ذلك وصل إلى دمشق ليلقي على مدرج جامعة دمشق قصيدته الميمية:
حتام تحسبها أضغاث أحلام
سبح لربك وانحر أنت في الشام
لم يأذن الله يا بوق العروبة أن
تقضي الحياة غريباً بين أعجام
أنا العروبة لي في كل مملكة
إنجيل حب ولي قرآن إنعام
وعاش القروي هدوءاً وراحة وتمكن من التردد مرات إلى سورية، وهو الذي- كما سنعرض- لم يعترف يوماً إلا بالقومية رابطة في حياته.. لكنه لم يتخيل أن الشقاء الذي دفع مع إخوانه المهجريين ثمنه من أرواحهم وراحتهم وحياتهم سيثمر هذا التقارب بين العرب والمهجر الجنوبي، وبين السوريين وأبناء المهجر الجنوبي خاصة.
التأسيس لصحافة عربية
تركزت جهود بعض أفراد الجالية العربية في المهجر الجنوبي في إنشاء الصحف والمجلات نشروا من خلالها نتاجاتهم شعراً ونثراً، وتضامنوا مع أمتهم، وتحدثوا عن مشكلاتها، وأرسلوا إليها المقالات والقصائد التي لا تزال حاضرة في وجدان أمتنا إلى اليوم، وستبقى في بطون كتب التاريخ والأدب.
من الدوريات التي أصدرها المهجريون:
مجلة الجالية لسامي يواكيم الراسي.
جريدة أبجد هوز لناصر شاتيلا.
مجلة الشرق لموسى كريم.
جريدة الرابطة لخليل سعادة وخلفه القروي.
الأندلس الجديدة لشكر الله الجر.
مجلة العصبة لحبيب مسعود (لسان حال عصبة الأندلس).
وهذه الصحافة أسهمت في نشر أدب المهجر وتنشيطه وخلقه وخاصة إذا علمنا أن بعض الشعراء من المهجريين لا يعرف قاعدة واحدة في اللغة العربية، لكن الغربة وأحاسيس الغربة والشوق والحنين للبلاد جعلت الذي لا يعرف بيتاً شعرياً، ولا يعرف قاعدة يصبح شاعراً ويخاطب أمه بأرق أبيات الشعر:
أنفقت عمرك ترقبين رجوعنا
وتجوس كل سفينة عيناك
وقد نشرت هذه الصحافة من الشعر: الروافد وزنابق الفجر لشكر الله الجر وعبقر ولكل زهرة عبير ونداء المجاذيف لشفيق معلوف وأحلام الراعي لإلياس فرحات والبواكير والزمازم والأزاهير للقروي إضافة إلى مجلدات مجلة العصبة الأدبية.
التأسيس لرابطة أدبية
على غرار الرابطة القلمية التي أنشأها مهجريو الشمال دعا شكر الله الجر إلى إنشاء مؤسسة ثقافية في البرازيل وفي الأول من كانون الثاني 1933 تألفت العصبة الأندلسية في سان باولو واختير ميشال معلوف رئيساً لها، خلفه القروي وخلفه شفيق معلوف.
ويلفت الانتباه اسم الرابطة (العصبة الأندلسية) فتحدث عن التسمية في مجلة العصبة رئيس تحرير المجلة حبيب مسعود (إنه التيمن بالتراث الغالي الذي تركه العرب في الأندلس...) وقد بذل أعضاؤها جهداً حقيقياً من أجل:
ترسم أساليب الفصحى والتقيد بأحكامها وقواعدها.
عدم الدخول في السياسة والدين.
جمع أدباء العربية ومؤاخاتهم في المهجر.
تأسيس منتدى أدبي صرف.
إيجاد الصلات القلمية بين العصبة وسائر أندية الأدب العربي.
رفع مستوى العقلية العربية ومكافحة التعصب.
إطلاع العالم العربي على بدائع أدب تلك البلاد.
مشاركة الأمة مآسيها
ارتبط المهجريون بأرضهم العربية، وشاركوا في مختلف المناسبات القومية، فتحدثوا عن شهداء 6 أيار، الثورة العربية الكبرى، ثورة سعد زغلول، معركة ميسلون، فلنسمع إلياس فرحات يقول في ميسلون:
إن يقل ما ميسلون جاهل
قل مثار الفخر في تاريخ أمة
حرة عذراء زفت للعلا
بدم الأحرار منا مستحمة
بقعة في السهل نالت شرفاً
رفع السهل على أرفع قمة
الوطن والحنين
كان حنين المهجري إلى الأوطان الأصلية مميزاً، ولعل أطرف ما في هذا الحنين ما كان من ميشيل مغربي الذي يرى حمص أبهى من مقر فرساي فيقول:
قالوا أتصبو إلى حمص فقلت لهم
قلبي بغير هواها غير خفاق
تلك الخمائل جنات منورة
بكل زهر زكي الطيب عباق
والطير ما بين تغريد وزقزقة
والماء ما بين فوار ورقراق
والريح تمرح في الأرواح ناثرة
حلي الطبيعة من زهر وأوراق
وللنواعير أنات تبث بها
شكوى صبابة مشتاق لمشتاق
في الموطن الجديد
على الرغم من الحنين الطافح الذي قرأناه لشعرائنا المهجريين إلا أن المهاجرين- وجلهم من سورية ولبنان ومن مناطق محددة- سرعان ما صار وطنهم الجديد وطناً جميلاً يتغزلون به ويربطون صفات الحب النبيل والجميل التي في سورية ولبنان بتلك البرازيلية أو الأرجنتينية.
ولنسمع القروي:
وفاتنة كأن الله لمّا
حباها الحسن ما راعى الحسابا
برازيلية وطناً ولكن
إلى الأعراب تنتسب انتسابا
لها لحظ سألت عن المنايا
ولاحظني فلم أطلب جوابا
وعندما تفوز حسناء من مدينته التي يقيم فيها بجائزة الجمال يتحدث مفاخراً المدن الأخرى:
يا ليوني أوليت «سنطس» فخراً
فهي تزهى على البرازيل طرّا
وقتلت الحسان بالغمّ قتلاً
وأسرت الرجال بالحب أسرا
ليس بدعاً فأنت من أمة
تقدر فيها محاسن الأشياء
لست من أمة يضام بها الحر
وتعطى الأكفان للأكفاء
ما أظن شاعراً يفاخر بأمته ووطنه أكثر من فخر القروي بالبرازيل، وهذا إن دلّ فإنما يدل على قوة الانتماء لدى المهجريين، ومما يفتخر به أن المهاجرين العرب إلى أميركا الشمالية والجنوبية عملوا على الأدب ونشره، وقدموا النور والإخاء والحب والتسامح في تلك البلدان، قدموا خبراتهم إن وجدت وانزرعوا هناك، لذلك تجد الأندية الأدبية والثقافية العربية هناك ناشطة بشكل كبير، وتجمع العرب جميعاً لأنها قامت على تواصل ثقافي حضاري، ولم تقم على أي شيء آخر.. زرع العرب الحب هناك من البلاد البعيدة، وما بين الأندلس والثقافة الإسبانية ولغتها قدّم العرب حضارة من الصعب أن يتم تجاوزها، ولا أحد يريد أن يتجاوزها أو يهضم الآخرين حقوقهم من دمشق وإلى دمشق، منها كان المنطلق، وإليها العودة، ومنها العودة مرة أخرى إلى تلك البقاع البعيدة والآسرة، ومن قبل عاد الشاعر القروي ليكتب مقدمة طبعة ديوانه في دمشق عام 1983 فقال:
أجمعوا الأمر يا شباب وسيروا
واحذروا من مغبة التقسيم
وخذوا عن اجادل الوطن الأكبر
لا عن خنافس الإقليم
أنتم الزهر طلّعا في سماء
لم تحدد آفاقها بتخوم
والأماني هي النفوس ولا يُشبع
نفس العظيم غير العظيم















